السبت, 29 آب/أغسطس 2020 01:20

مطلوب ثورة تشريعية لمناهضة التمييز بحق المرأة العربية/ بقلم: سارة السهيل

بقلم: سارة السهيل

 

حققت المرأة العربية تقدما كبيرا في حقوقها الخاصة بالتعليم والتمثيل  النيابي خاصة عن طريق نظام الكوتة ، مرورا بزيادة نسب تعليمها ومشاركتها في بناء المجتمع ،ولكن تظل سلطة اصدار القرار بيد الرجال بسبب خلو التشريعات الوطنية العربية من المساواة بين الرجل  والمرأة رغم تصديق بعضها علي الاتفاقيات الدولية  الخاصة بعدم التمييز ضد المرأة.

ورغم محاولة الدول العربية تقليص عمليات تهميش دور المرأة في المجتمع  عن طريق فتح نافذة لها للعمل السياسي عبر نظام الكوتة لتعويض قصور الثقافة الاجتماعية في منح المرأة الثقة في العمل السياسي و العمل العام  ، الا انني أري ان نظام الكوتة ينتقص من قدرات المرأة ،والأولى ان يتم تدريب المرأة علي العمل السياسي والاجتماعي من خلال الندوات وورش العمل ومراكز اعداد القادة ثم  بعد ذلك اطلاقها للمنافسة الشريفة في سوق العمل السياسي  عبر انتخابات حقيقية  مع بذل الجهد الاعلامي والثقافي لتغيير المفاهيم الاجتماعية المغلوطة بحق المرأة  وقدراتها  وحقها في المشاركة السياسية وصنع القرار .

فتقليص دور المرأة في صنع القرار أدى الى عدم قدرتها على تغيير التشريعات التمييزية بحقها ، ناهيك عن تأثير النشأة الاجتماعية والموروثات الثقافية التي لا تزال تنظر إلى العنف  بحق المرأة كجزء من واجبات الرجل وحقه .

الواقع العربي

قانون الأسرة في مصر  يحمل العديد من مظاهر التمييز ضد المرأة بالنسبة للزواج والطلاق وحضانة الأطفال، يمتلك الرجل المزيد من الحقوق التي تتيح له الحصول على حضانة الأطفال حتى إذا تزوج مرة أخرى، بينما تفقد المرأة  طفلها اذا تزوجت برجل أخر.

ومع تمتع النساء بالبحرين بعدد من الحقوق ، مثل حق المرأة في الانتخاب والترشح ،لكنها لا تستطيع إعطاء جنسيتها لأبنائها ، و لا تستطيع استخراج الكثير من الوثائق سواء لها أو لأبنائها إلا بحضور ولي ذكر من الدرجة الأولى من القرابة.

بينما تطغى العادات والتقاليد  على القوانين والتشريعات في سوريا ، فرغم ان القانون يمنح المرأة حق الحضانة، فان العادات والتقاليد تمنعها من التمتع بهذه الحقوق ،حيث تحرم المرأة أيضا من حقها في الإرث .

أما  مواد القانون العراقي  فتحرّض على قتل النساء ومنها المادة 409 من قانون العقوبات العراقي تحت مسمى غسل العار، حيث يصدر القانون العراقي أحكاما مخففة على الرجال الذين يقتلون زوجاتهم أو بناتهم تحت هذه الذريعة. بينما يماطل في اصدار تشريع قانون الحماية من العنف الأسري.

مأساة اليمنيات

ويحمل قانون الجرائم والعقوبات اليمني  كثيرا من التمييز بحق المرأة ،حيث يمنح الزوج حق دون غيره من الأقارب بتأديب الزوجة  ، استناداً للمادة (26) من هذا القانون ووفقاً لبعض التفسيرات الفقهية لإباحة الأفعال التي تقع استعمالاً للحق ومنها  قوله تعالى : " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن وأهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن اطعنكم فلا تبغو عليهن سبيلا .. " ، متجاهلا وجود تأويلات عديدة أكثر من سبعة عشر معنى لكلمة الضرب التي وردت في النصوص القرآنية .

وفيما يخص جرائم الشرف في القانون الجنائي اليمني ،توضح نص المادة (232) على تخفيف عقوبة الزوج الذي يرتكب جريمة قتل زوجته هي ومن يزني بها حال تلبسها بالزنا أو يعتدي عليهما اعتداء يفضي إلى موت أو عاهة ، وتخفف عقوبة الرجل إلى الحبس مدة لا تزيد على سنة أو الغرامة بدلاً من الإعدام قصاصاً ، ويسري الحكم ذاته على من فاجأ إحدى أصوله أو فروعه متلبسة بجريمة الزنا  ،في تجاهل تام للشروط الشرعية لحالات التلبس بالزنا.

بينما الزوجة التي قتلت زوجها بعد ضبطه متلبساً بجريمة الزنا ،يعاقبها المشرع اليمني بالاعدام قصاصا دون تخفيف للحكم ،وهوما يؤكد ان النص  القانوني تمييزي بامتياز بحق المرأة ولا يساوي في العقوبة بحق الجريمة الواحدة ،ويتجاوز احكام الشريعة الاسلامية والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها اليمن  ومنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

هذا الواقع المرير يؤكد وجود حاجة ماسة الى تعديل هذه المادة بما يتلاءم مع احترام مبدأ المساواة بين الجنسين ، لاسيما وأن هذه المادة والتي تتعارض تماماً مع أحكام الشريعة الإسلامية تفوق آثارها المترتبة كل الأثار السلبية التي ترتبها القوانين التمييزية .

ومعظم النساء العربيات يعشن هذه  المعاناة، ويدفعن ضريبة التمييز ضدهن في قوانين العقوبات والجنسية والأحوال الشخصية، التي تتشابه كثيرا من نصوصها في  اوطاننا العربية ، ففي العراق بموجب المادة 409 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، خفف عقوبة الرجل، الذي يقتل زوجته أو إحدى محارمه متلبسة بجريمة شرف إلى 3 سنوات كحد أقصى، ولا يمنح القانون المرأة نفس العذر المخفف إذا تفاجأت بزوجها في نفس الوضع.

وبنفس سيف القانون التمييزي  ،  تنص قوانين العقوبات في كل من مصر، واليمن، وسوريا، والصومال، وقطر كذلك على تخفيف عقوبة الرجل الذي يقتل زوجته متلبسة بجريمة الزنى إلى الغرامة أو السجن لمدد من سنة إلى 10 سنوات، وتوسع كل من العراق وليبيا وفلسطين النص ليشمل قتل المحارم أو الأقارب من النساء.

ويرجع الإبقاء على هذه القوانين  الى سيطرة الفكر الذكوري والثقافة المجتمعية التي تدعم معاقبة المرأة عقوبة مضاعفة على نفس الجريمة.

وتنص قوانين العقوبات في مصر، وفلسطين، والأردن، وسوريا على معاقبة الزوجة التي ترتكب جريمة الزنى بمدد تتراوح من 3 أشهر إلى عامين ومعاقبة الرجل لنفس الجريمة بالحبس من شهر إلى عام باختلاف البلدان، وبشرط وقوع الزنى في منزل الزوجية في حالة الزوج.

في حين  أن الشريعة الاسلامية نفسها  لم تفرق في الحدود بين الرجل والمرأة، الزنى، هو مائة جلدة للرجل أو للمرأة وكذلك الحال في حد بقية الحدود.

القانون والثقافة

لاشك ان تعديل العقوبات في دولنا العربية بما يحقق المساواة بين الرجل والمرأة يتطلب بذل أقصى الجهود الو تغيير ثقافي في المجتمع من شأنه ان يعمل تغيير  البيئة التشريعية الحالية،

فلا تزال قوانين العقوبات في العراق، وليبيا، والبحرين، والكويت تنص على إفلات المغتصب من العقاب في حال زواجه من ضحيته، فيما تنص قوانين العراق، والجزائر، وموريتانيا على سقوط عقوبة الخاطف إذا تزوج من الضحية.

والواقع المرير يؤكد ان المرأة العربية تعد مواطن درجة ثانية من حيث الجنسية ، وترجم ذلك قوانين الجنسية في أغلب البلدان العربية  التي على حق الرجل في منح جنسيته لأبنائه تلقائيا، وتحرم بلدان أخرى المرأة من نفس الحق بشكل مطلق، مثل لبنان، وقطر، في حين تستثني بلدان من ذلك من ولد لأب مجهول الجنسية أو لا جنسية له، مثل الأردن والسعودية وعمان والبحرين وسوريا والكويت وموريتانيا.

وقد جاهدت المرأة العربية في سبيل تعديل تشريعي يحقق لها المساواة، ونجحت حملات مثل "جنسيتي كرامتي" في لبنان و"أمي أردنية وجنسيتها حق لي" في الأردن و"جنسيتي حق لي ولأبنائي" في البحرين- في انتزاع بعض الحقوق، مثل حق العمل والعلاج المجاني واستخراج رخصة قيادة وغيره، ولكنها لم تضمن للقائمين عليها حقوق المواطنة الكاملة.

وبداية من التسعينيات، عدلت دول قوانين الجنسية بما يسمح للمرأة بمنح جنسيتها لأبنائها مثل مصر وتونس والمغرب.

وتبقى قوانين الاحوال الشخصية في الدول العربية أكثر اجحافا بحقوق المرأة لانها تتعامل معها بمنطق انها لا تصلح للولاية ، ويترجم ذلك فشل المرأة في الحصول على حكم بالطلاق من المحاكم للضرر وبعد فشلها في اثبات وقع الضرر ، فلا يبقى لها من حل سوى رفع دعوة خلع تتنازل بموجبه عن جميع حقوقها .

فقوانين الأحوال الشخصية في مصر، وفلسطين، والأردن، والسعودية، واليمن، والصومال، وقطر، وعمان، وجيبوتي، والبحرين، وموريتانيا، وجزر القُمُر، والإمارات  ،تنص على حق الرجل في تطليق زوجته من جانب واحد أو دون إبداء أسباب، في حين أن على المرأة إثبات تعرضها للضرر الجسيم لتحصل على حكم بالطلاق.

ونصوص هذه القوانين تكبل حرية المرأة في إبرام عقد الزواج بنفسها، وتمنح الرجل الحق في الطلاق ولو تعسفيا، بجانب كونه الولي القانوني الوحيد على الأبناء فللأب وحده حق الولاية على الابناء  في لبنان، والعراق، والأردن، وعمان، وجيبوتي، والبحرين، وفلسطين، واليمن، وقطر، والسودان، والجزائر، والإمارات، والمغرب، وموريتانيا ؛ مما يمنع المطلقة من إصدار هويات أو جوازات سفر لأولادها أو اتخاذ قرارات بخصوص تعليمهم.

الواقع الاردني

حقق الأردن تقدماً في مجال الإصلاح التشريعي بحقوق النساء وتعزيز حقوقهن،لكنه لا يزال بحاجة الى الكثير من الإصلاحات التشريعية لإزالة كافة أشكال التمييز ضد النساء، فقد أقر الأردن قانون الضمان الاجتماعي (2014)، ونظام تسليف النفقة (2015)، ونظام الخدمة المدنية (2013)، والقانون الجديد للحماية من العنف الأسري (2017)، ونظام دور إيواء النساء المعرضات للخطر (2016)، ونظام العمل المرن (2017) في القطاعين العام والخاص، وخطة تحفيز النمو الاقتصادي (2018-2022)، وتعديلات قانون العقوبات (2017) حيث ألغيت المادة التي تتيح للمغتصب الزواج من ضحيته والإفلات من العقاب (المادة 308)، كما منع إستخدام العذر المخفف بحق مرتكبي الجرائم بذريعة “الشرف” (المادة 98)، وعزز الحماية الجزائية لذوات الإعاقة، وأقر تعليمات جديدة لمنح الإذن في الزواج للفئة العمرية 15-18 عاماً.

اصلاحات ضرورية

وتبقي الاصلاحات التشريعية ضرورية لتحقيق المساواة لمعالجة اوضاع المرأة في سوق العمل الذي يشهد انخفاضا في نسب مشاركة المرأة خاصة في الاردن والناتج بشكل كبير الى التقاليد الاجتماعية التي تحصر عمل المرأة في اعمال تقليدية .

كما ان المرأة في الأرياف اكثر تعرضا  لضياع حقوقها الانسانية ، حيث يتم تزويجها دون مشورتها بجانب تزويجها في  سن مبكر، كما تحرم من حقها في  الإرث عبر تحايل الاهل على القانون ،وهوما يستوجب زيادةجرعات حملات التوعية الثقافية للمرأة بحقوقها وتغييرالمفاهيم الاجتاعية لعادات وتقاليد تحكم الرجل في مقدرات المرأة .

لاشك ان  الإصلاحات التشريعية باتت اكثر الحاحا لتحقيق مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات ،وفي مقدمتها قانون الأحوال الشخصية وقانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي وقانون المحكمة الدستورية وقانون العقوبات وقانون الصحة العامة وقانون التقاعد المدني ونظام الخدمة المدنية وقانون منع الجرائم، وقانون منع الإتجار بالبشر.

الحركة النسوية بالاردن قدمت مشروعات للاصلاحات التشريعية لمكافحة التمييز ضد المرأة بحيث ينص عليها في الدستور، لكن لم يتم الاستجابة لها  ، فلا يزال المشرع الاردني رافضا للاقرار بالمساواة  التي يمكن أن تستفيد منها المرأة في العمل وفي الضمان الاجتماعيً ،وكذلك قانون الأحوال الشخصية بحاجة الى مراجعة دون المساس بالشرع ،مثل قضية النفقة  التي يجب ان تتحصل عليها المرأة النفقة من خزينة الدولة، ثم يجري تحصيلها في ما بعد. وكذلك المرأة بحاجة الي تشريعات منصفة ،ولعلي اتفق مع مقترحات بعض الاردنيات بضرورة ان تكون المرأة الكفء جزءا من نسيج المحكمة الدستورية حتى يتاح للمرأة فرصة اجراء الاصلاحات التشريعية والدستورية.