الخميس, 15 نيسان/أبريل 2021 22:14

الأب الملهم اشتاق اليك (في ذكرى استشهاده)- بقلم : سارة طالب السهيل


بقلم / سارة طالب طالب السهيل  

 

عندما  تهيج مشاعري كهياج البحر الثائر وهو يبحث عن شط يحط عليه أمواجه المتلاطمة ويرتاح من حموله ،  أحن الى أبي الشهيد الفارس المثقف صاحب المبادئ  والموقف السياسي  ، والذي دفع عمره ثمنا للايمان بهذه المبادئ .
وعندما تحل ذكرى رحيله ، تجرفني تيارات  الحنين  لأبي ، فأسرع الى سماع انشوده العندليب عبد الحليم حافظ " أعز الناس " التي أبدع كلماتها مرسي جميل عزيز ، ولحنها العبقري بليغ حمدي ، ورغم انها تحمل دلالات انسانية عديدة ، لكني اجد فيها مرسى لأمواج شوقي لأبي العزيز .
على طول الحياة نقابل ناس ..ونعرف ناس .. ونرتاح ويا ناس عن ناس وبيدور الزمن بينا .. يغير لون ليالينا
وبنتوه بين الزحام والناس .. ويمكن ننسى كل الناس .. ولا ننسى حبايبنا أعز الناس .. حبايبنا أعز الناس حبايبنا
ثم اتفقد اركان البيت الفارغ من وجوده فأرى ورود الدار تبكي رحيله كل يوم بعد كل هذه السنوات
فأنشد مكلومة نجوى كرم لا تبكي يا ورود الدار ضلك غني بغيابه و لما يعود من المشوار كوني الزينة ع ابوابه
ففي كل عام يزيد تأكيدي انني مصرة ان ابقى بحلة الطفلة التي فارقت الأب تلك السنة الخبيثة حلما بأن يعود أبي ذات يوم من المشوار فيجدنا ورود الدار بانتظاره بنفس الحلة اخاف ان أكبر فلا يعرفني أبي فأبقيت ضفائري الذهبية و دهشة البراءة على وجهي كما يعرفني تمر السنون عاما تلو الاخر لاكتشف شدة احتياجي لأبي  ،  نعم انا احتاجك اكثر من ذي قبل يا والدي ، فقد تشربت منك اخلاق الفروسية  ومعاني الشرف وحب العلم والثقافة والفنون . هكذا الأب دوما يسهم بشكل كبير في تكوين شخصية بناته ، ولطالما كان الاباء سواء كانوا أنبياء او وزعماء او محاربين أبطال او سياسيين او مبدعين قد ورثوا جيناتهم لبناتهن فكانوا مصدر الهام خصب لفكرهن ونضوجهن وحكمتهن واخلاقهن
و قد حفل التاريخ الانساني بالعديد من الرجال الابطال كانوا ملهمي بناتهن ، مما أسهم في تحويلهن لاميرات وملكات وقادة فكر وسياسية وغيرها في مختلف الحضارات القديمة والحديثة ، ومنهن من ناضلن مع أبيهن في نشر الدعوة وتحمل ايذاء الاعداء وعلى رأسهم السيدة فاطمة الزهراء بنت سيدنا رسول الله صل الله عليه وسلم ، التي عاشت حصار الشِّعب؛ وذاقت الآم الجوع والحصار مما أثّر عليهم وأصابهم بالضعف والمرض .
فقد تشربت الزهراء من ابيها المصطفى قيم الصبر على الشدائد انتصارا للقيم العليا وهي نشر دعوة التوحد لرب العالمين ، فصبرت على الجوع والمرض وآلام موت أخواتها الثلاث أمام عينيها ومن قبلهم أمها. فنالت شرف سيدة أهل الجنة .
وبتصفح بعض صفحات التاريخ نجد كيف تعلمت الملكات والاميرات فنون الحكم والسياسية والحروب من أبائهن، ومنهن الملكة "خنت كاوس" الأولى "ملكة مصر العليا والسفلى" و"أم ملوك مصر العليا والسفلى" التي حكمت مصر بمفردها في نهاية الأسرة الرابعة ن بعد ان تشربت فنون الحكم عن أبيها الملك  "منقرع" .
وكليوباترا ملكة مصر التي تعلمت من أبيها الملك بطليموس كيفية ادارة الحكم ، عينها نائبة له وهي في الرابعة عشرة من عمرها ، ثم أصبحت ملكة على مصر وهي في الثامنة عشرة من عمرها بالمشاركة مع أخيها بطليموس الثالث عشر.
أما الملكة زنوبيا  ملكة تدمر المحاربة الشجاعة ، فقد استلهمت  الروح القتالية والمكر السياسي عن أبيها زباي قائد ورئيس الفرسان، رغم انها نشأت بعيدا عن عائلتها وخاض غمار حروبا كبيرة
وتأتي الملكة شيبتو في العراق ، هي ابنة يارملم ، فقد تشربت من أبيها فنون الحكم والادارة ، وهي  زوجة الملك زمريلم (1780- 1760 ق.م) ملك دولة ماري، التي زوجها أبوها إليه بعد أن استطاع بمساعدته استرجاع عرشه . ونجحت في خلافة زوجها وهو يدير شؤون الحرب،شيبتو اشتهرت بأفكارها العسكرية ورومانسيتها واهتمامها بالرعية.
أما رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بنازير بوتو فهي أول امرأة في العصر الحديث تقود بلدا مسلما في الخامسة والثلاثين من عمرها ، حيث تولت رئاسة الوزراء لدورتين  وقادت المعارضة للرئيس برويز مشرف استعدادا للانتخابات التشريعية والإقليمية
استهلمت بوتو من أبيها لرئيس الوزراء الباكستاني السابق ذو الفقار علي بوتو قيم النضالي السياسي وقيم الحداثة وتبني قيد الديمقراطية وحقوق المرأة ، ودفعت حياتها ثمنا لما تؤمن به .
سيظل الأب لأي بنت على أرض البسيطة وفي كل الشعوب والحضارات رمزا للحنان والامان ، سيظل  معلما ومرشدا وملهما وقائدا لمسيرة حياة بناته حفظ الله الاباء ، ورحم من رحل منهم الى جنة الخلد .