السرحان يكتب … من أين انت؟ هي من باب التعارف وليست للتصنيف .

السرحان يكتب … من أين انت؟  هي من باب التعارف وليست للتصنيف .

 

بقلم : الدكتور هاني الكعيبر السرحان

مساء يزهر محبة وحب لكل من يقرأ كلماتي

 

وكالة محليات الاخباري – عمان – يوم امس كان حديث طويل بيني وبين ابنتي سلمى  كانت تقص لي حديث سمعته  اثناء الفراغ في المدرسة بين زميلاتها وحين انتهت من الحديث والاسئلة وعدتها أن أكتب لها جواباً على صفحتي العامة هذا الدرس تعلميه جيدا يا سلمى انت وزميلاتك كما تعلمته انا وآمنت به

 من أين انت؟  هي من باب التعارف وليست للتصنيف فعلى ضفتي النهر لم يكن الماء وحده يعبر بل كانت القلوب تعبر أيضًا وكانت الأسماء تسافر دون جواز لأن ما بين فلسطين والأردن ليست حدود بل حكاية ارواح تعلقت ببعضها و نسب طويل ومصاهرة قل مثيلها وجوار بالروح والقلب معا فلسطين والأردن ليسوا جيران فقط بل وجهان لنبضٍ واحد من عمّان إلى القدس ومن الكرك إلى الخليل تمتدّ خيوط الدم والذاكرة خيوط لا ترى لكنها أقوى من الحديد وأصدق من الخرائط .

ومن المهم جداً عند السؤال الطبيعي العابر عندما يسأل أحدهم  من أين أنت؟

فيقول: أنا من الخليل أو من نابلس أو من رام الله… أو من بيسان… أو من يافا… أو من بيت لحم… أو من جنين… أو من طولكرم…أو من باقي المدن  إعلم جيداً رعاك الله  فكأنه يقول بكل بساطة وبعيد عن أي عنصرية وعقد : أنا من الكرك… أو من إربد… أو من السلط… أو من معان…أو من الشمال أو الجنوب 

لأن الاسم هنا لا يعني مسافة بل يعني جذورًا متشابكة وان المدن كلها لنا لأن الانتماء لا يقاس بعدد الكيلومترات بل بعمق الشعور فمن يقول انه من الخليل يحمل صلابة جبال الكرك. 

ومن يقول إنه من نابلس يشبه إربد في دفء الناس وصدق الملامح.

ومن ينتمي إلى رام الله يحمل هدوء تلال السلط.

ومن يقول إنه من صحراء فلسطين فهو يحمل عناد البحر كما يحمل أهل الجنوب شموخ الصحراء.

ومن يفتخر بأنه من يافا تفوح منه رائحة الطيب كما تفوح من بيوت الأردن رائحة القهوة العربية ببواديها وأريافها

ومن ينتمي إلى بيت لحم يحمل في قلبه قداسة الميلاد كما يحمل الأردني قداسة الأرض والإنسان 

ومن يقول إنه من جنين أو من طولكرم أو من قرى فلسطين الحبيبة  فهو يحمل الإصرار  الذي لا ينحني على حب 

الاردن أيضا مسقط الرأس ومهوى الفؤاد

 

إنها ليست مدن متفرقة بل عائلة كبيرة توزعت أسماؤها وبقي قلبها واحدًا

وحين احتضنت عمّان أبناء فلسطين لم تكن تستقبل غرباء بل كانت تستعيد أبناء بيت كبير  كانوا يوما هنا ويوما هناك وحين تتنفس القدس صمودها يكون في الدعاء الأردني يقين بأن هذه المدينة تسكنهم كما يسكنونها العلاقة الفلسطينية الأردنية لم تُكتب بالحبر بل كتبت بالخبز المشترك بالمقاعد الدراسية وبين الصفوف والجامعات بالمخيمات التي صارت أحياء وبالأحياء التي صارت ذاكرة مشتركة كتبت بالزيجات التي مزجت الأسماء حتى صار من الصعب أن تسأل: 

هذا أردني أم فلسطيني؟

 لأن الإجابة ببساطة ابن أرضٍ واحدة وإن تعددت مسمياتها وهنا تكمن الحقيقة الأجمل أن السؤال عن الأصل لم يعد يفصل بل يجمع لم يعد يعرّف الهوية بقدر ما يوسّعها.

وفي النهاية ستبقى فلسطين والأردن شجرتين متجاورتين تتشابك اغصانها كما تشابكت جذورها في تربة واحدة من التاريخ والصبر والوفاء فإذا سُئل أحدكم يومًا

 من أين أنت؟

فليبتسم ويقول:

أنا من هنا من أرض واحدة وإن تعددت أسماؤها.

الدكتور هاني الكعيبر السرحان