بقلم: عمر الدريني
كيف تحوّل الإنسان في عصر الرقمنة إلى ظلٍّ يبتسم للشاشة؟
وكالة محليات الاخباري – عمان – في لحظةٍ ما من هذا العصر المضيء حدَّ العمى، حدث شيءٌ غريب للإنسان.
لم يسقط فجأة، ولم يسمع العالم صوت الانهيار، بل وقع الأمر بهدوءٍ يشبه تسلل الليل إلى غرفة طفلٍ نائم.
تدريجيًا، توقف البشر عن عيش حياتهم، وبدأوا يراقبونها.
صار الإنسان يخرج إلى المطعم ليصوّر الطعام قبل أن يتذوقه، ويسافر ليُثبت أنه سافر، ويبتسم للكاميرا أكثر مما يبتسم للحياة نفسها.
حتى الحزن، ذلك الكائن الحميمي الذي كان قديمًا يختبئ خلف الأبواب المغلقة، خرج إلى العلن باحثًا عن جمهور.
وهكذا، دون أن ينتبه أحد تمامًا، تحوّلت الحياة من تجربةٍ تُعاش… إلى عرضٍ مستمر.
في الأزمنة القديمة، كان الإنسان يخشى الظلام.
أما إنسان اليوم، فيبدو أنه غرق في فائضٍ من الضوء:
ضوء الشاشات.
ضوء الإشعارات.
ضوء الصور المعدّلة.
ضوء الشهرة العابرة.
ذلك الضوء الذي يلمع كثيرًا، لكنه لا يمنح الدفء.
لقد بنى العالم الحديث حضارةً قادرة على إضاءة المدن طوال الليل، لكنه فشل أحيانًا في إنقاذ روحٍ واحدة من العتمة الداخلية.
يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
لكن البشر في عصر الرقمنة صنعوا لأنفسهم أنوارًا أخرى؛ أنوارًا لا تهدي، بل تُلهي، ولا تكشف الحقيقة، بل تستهلك الانتباه.
ولهذا ربما يبدو الإنسان المعاصر أكثر اتصالًا من أي وقتٍ مضى, وأكثر وحدةً من أي وقتٍ مضى أيضًا.
في المقاهي، والمطارات، وغرف الانتظار، وحتى داخل البيوت، يمكن رؤية المشهد ذاته يتكرر كطقسٍ كونيٍّ جديد: رؤوسٌ منحنية نحو الأسفل، وأصابع تتحرك بسرعة، وعيون تلمع أمام الضوء الأزرق، بينما الأرواح تنسحب ببطءٍ من الواقع.
لقد أصبح الصمت الحديث مختلفًا.
قديمًا، كان الصمت مساحةً للتأمل.
أما اليوم، فهو غالبًا انقطاع مؤقت لشبكة الإنترنت.
اختفت تلك اللحظات التي كان الإنسان يجلس فيها وحيدًا مع أفكاره، يحدق في السماء أو يسمع صوت قلبه.
فالخوارزميات تكره الفراغ، لأنها تعرف أن الإنسان إذا جلس طويلًا مع نفسه، قد يكتشف أشياء لا تريدها السوق.
إن أخطر ما فعلته الرقمنة بالإنسان أنها لم تسرق وقته فقط، بل أعادت تشكيل معنى وجوده.
لقد تحوّل الإنسان من “كائنٍ يعيش” إلى “كائنٍ يُستهلك”.
تأمل فقط كيف أصبح كل شيء قابلًا للتحويل إلى محتوى: الطعام، الحب، المرض، البكاء، الجنازات، الصداقات، وحتى لحظات الانهيار النفسي.
لم يعد الإنسان الحديث يسأل: “هل أنا سعيد؟”
بل: “هل أبدو سعيدًا؟”
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الحياة الحقيقية والحياة المعروضة للبيع.
كان الفيلسوف اليوناني ديوجين يحمل مصباحًا في وضح النهار، ويقول إنه يبحث عن إنسان.
ولو عاد اليوم، ربما لوقف وسط هذا الزحام الرقمي مذهولًا؛ فالعالم لم يعد يعاني نقص البشر، بل نقص الإنسانية.
لقد أصبح كثيرٌ من الناس يعرفون كيف يجذبون الانتباه، لكنهم لا يعرفون كيف يصنعون معنى.
يعرفون كيف يظهرون، لكنهم نسوا كيف يكونون.
يقول الله تعالى *:﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾*
ولعل أخطر أشكال التكاثر الحديثة ليست الأموال وحدها، بل الأرقام: المتابعون، المشاهدات، المشاركات، الإعجابات.
إنها ديانة العصر الجديدة: كلما ارتفع الرقم، شعر الإنسان بأنه أكثر وجودًا.
لكن المأساة أن الأرقام، مهما تضخمت، لا تستطيع أن تملأ الفراغ الداخلي.
ولهذا نرى كثيرًا من المشاهير يملكون ملايين المتابعين، ويعجزون عن النجاة من الوحدة.
فالشهرة تمنح الضوء، لكنها لا تمنح الطمأنينة.
لقد نجح الاقتصاد الرقمي في تحويل الانتباه البشري إلى أغلى سلعة في العالم.
ولم تعد الشركات الكبرى تتنافس فقط على بيع المنتجات، بل على احتلال الوعي نفسه.
كل إشعارٍ صغير هو محاولة جديدة لاختطاف لحظة من عمرك.
كل مقطعٍ قصير صُمّم بعناية ليُبقيك مستيقظًا داخل الحلقة.
كل خوارزمية تعرف عنك شيئًا قد لا تعرفه أنت عن نفسك.
إنه شكلٌ جديد من الاستعمار، لكن بلا جنود.
استعمارٌ يدخل من العين إلى الدماغ مباشرة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، أصبح القلق السمة الخفية لهذا العصر.
قلقٌ بلا حرب.
حزنٌ بلا سبب واضح.
إرهاقٌ رغم قلة الجهد الجسدي.
لقد امتلأت الأرواح بالضجيج.
فالإنسان لم يُخلق ليعيش تحت هذا القصف المستمر من الصور والمعلومات والمقارنات.
كل دقيقة، هناك من يخبره أنه أقل جمالًا، أو أقل نجاحًا، أو أقل ثراءً، أو أقل حياة.
وهكذا تتحول المنصات شيئًا فشيئًا إلى مرايا مشوهة يرى الإنسان فيها عيوبه فقط.















