بقلم الناشطة الاجتماعية: سارة السخني
وكالة محليات الاخباري – عمان – حين يطل علينا الخامس والعشرون من أيار، نجد أنفسنا أمام استحقاق فكري وإعلامي يتجاوز بروتوكولات الاحتفاء التقليدية. بالنسبة لي، كصانعة رأي ومهتمة بالحراك المجتمعي، لا أرى في عيد الاستقلال مجرد وثيقة سياسية جرى توقيعها في عام 1946 وانتهت، بل أقرأه كـ “صيرورة وطنية حية ومستمرة”، وكعملية بناء مجتمعي يومية تتنفس بعزيمة أبناء هذا الوطن وبناته.
إن التساؤل الجوهري الذي يجب أن نطرحه اليوم بكل عمق ومكاشفة هو: كيف استطاع الأردن، في بقعة جغرافية محاصرة بالأزمات الجيوسياسية المركبة وموجات اللجوء الإنساني المتلاحقة، وشحيحة الموارد الطبيعية، أن يهندس لنفسه نموذجاً تنموياً وسيادياً يشار إليه بالبنان؟
الإجابة التي أتبناها وأراها واضحة في تفاصيل مسيرة الدولة عبر ثمانية عقود، تكمن في معادلة واحدة استثنائية: تحويل شُح الموارد في باطن الأرض إلى وفرة واستثمار حقيقي في عقول وبناء الإنسان.
أولاً: العقد الاجتماعي والسيادي (من شرعية التأسيس إلى دولة المؤسسات)
في قراءتي للتاريخ السياسي الأردني، أجد أن قوة الاستقلال نبعت من مأسسة الدولة مبكراً. لم يكن الأمر مجرد رحيل لقوة مستعمرة، بل كان ولادة لدولة قانون تجسدت في دستور 1952، الذي وضع اللبنات الأولى لتنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث (التنفيذية، التشريعية، والقضائية) على أسس ديمقراطية متقدمة بمقاييس ذلك الزمان.
المؤسسة العسكرية كرافعة هوية: أرى أن قرار تعريب قيادة الجيش العربي عام 1956 لم يكن قراراً عسكرياً فحسب، بل كان إعادة صياغة للهوية الوطنية التنموية. فالجيش في الأردن انصهرت فيه كافة مكونات المجتمع، وتحول إلى شريك في التنمية عبر أجنحته الطبية والتعليمية، وممثلٍ للمنعة الأردنية عالمياً تحت راية قوات حفظ السلام الدولية.
الدبلوماسية العاقلة والثبات العروبي: في محيط إقليمي عاصف، صاغ الأردن سياسته الخارجية بذكاء وواقعية واعتدال، مما منحه ثقلاً دولياً يتجاوز حجمه الجغرافي. وهنا أؤكد على الثبات الشعبي والقيادي المتلاحم في الدفاع عن قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والتمسك بالوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس كخط أحمر لا مساومة عليه.
ثانياً: رأس المال البشري (التعليم كأداة للحراك والعدالة الاجتماعية)
من موقعي في الحقل الاجتماعي، أؤمن دائماً أن التعليم في الأردن كان هو “النفط” الذي لم نملكه في باطن الأرض. لقد خاض المجتمع الأردني معركة وعي مبكرة ضد الأمية، ونجح في خفض معدلاتها لتصبح من الأقل في الشرق الأوسط.
بالنسبة لي، التحول الأعمق ليس في الكم، بل في الكيف؛ حيث تحولت الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الأردنية إلى مصانع للعقول، ولم يقتصر أثرها على الداخل، بل رفدت السوق الإقليمي والعالمي بكفاءات نوعية في الهندسة، الطب، والتكنولوجيا. والمغترب الأردني اليوم هو السفير الحقيقي والأكثر مصداقية لقصة نجاح هذا الوطن.
ثالثاً: الريادة الطبية واللوجستية (بناء من بساطة البدايات)
حين نُفكك المحور التنموي، نرى قفزات تستحق التوثيق؛ فالمنظومة الطبية تطورت من عيادات ومستشفيات متواضعة في أربعينيات القرن الماضي، إلى شبكة طبية ثلاثية الأبعاد (الخدمات الطبية الملكية، القطاع الخاص، والمستشفيات الجامعية) تتميز باحترافية عالية وقدرة على إجراء أعقد العمليات الجراحية، مما جعل الأردن عاصمة طبية وقبلة أولى للسياحة العلاجية.
وعلى صعيد البنية التحتية, استعاض الأردن عن شح موارده بالتحول إلى مركز لوجستي إقليمي عبر شبكات الطرق الدولية، وتطوير مطار الملكة علياء لينافس عالمياً، ومأسسة العقبة كمنطقة اقتصادية خاصة. ومع دخول الألفية، انتبهت الدولة مبكراً لاقتصاد المعرفة والتحول الرقمي، ليصبح الشباب الأردني اليوم هو المحرك الأساسي لأكبر المنصات والشركات الناشئة (Startups) في العالم العربي.
رابعاً: وجهة نظر.. الاستقلال كمسؤولية مجتمعية تشاركية
هنا يكمن رأيي وموقفي الصريح: الحفاظ على الاستقلال وتطوير منجزاته ليس مسؤولية تقع على عاتق الدولة أو الحكومات وحدها، بل هو “مسؤولية مجتمعية تشاركية وتكاملية”.
المواطنة الفاعلة تبدأ من وعينا، وتمر عبر مبادراتنا، وتترسخ بإنتاجيتنا في ميدان العمل. إن طاقتنا الشبابية، ومبادراتنا المجتمعية والتطوعية، ووقوفنا بوعي وثبات في وجه الشائعات والتحديات الاقتصادية، هي خط الدفاع الأول والأقوى عن هذا الاستقلال.
خلاصة القول وجوهر الرسالة:
ثمانية عقود من عمر الاستقلال أثبتت بالدليل القاطع والتجربة الحية أن الأردن ليس رقماً عابراً أو هامشياً في معادلة المنطقة، بل هو دولة عميقة بمؤسساتها، قوية بوعي شعبها، وصلبة بمنعتها. من حقنا كأردنيين اليوم أن نفخر بما أنجزناه برغم الصعاب، ومن واجبنا كمجتمع حيوي وناشط أن نواصل البناء والعمل التشاركي البنّاء، واثقين بأن الأردن سيبقى دائماً نموذجاً للوعي، العطاء، والريادة.
حفظ الله الأردن العظيم، أرضاً وشعباً وقيادة، وكل عام والوطن بألف خير.














