بقلم : النائب هدى نفاع
وكالة محليات الاخباري – عمان – في زمنٍ تتبدد فيه الهويات بين الصراعات والخرائط المتحركة، وتتكسر فيه الدول تحت وطأة الحروب، يقف الأردن بعد ثمانين عاما من الاستقلال شامخا كجبلٍ لا تنال منه الرياح، راسخا كفكرةٍ ولدت لتبقى، لا كدولةٍ عابرة فرضتها الظروف.
لم يكن الأردن يوما رقما صغيرا في معادلات المنطقة، ولا هامشا على أطراف التاريخ، بل كان ـ كما قال جلالة الملك عبدﷲ الثاني ـ “موطنا للأمم وأرضا للوئام”.
هذه الأرض التي مشت فوقها الحضارات، وتعمد على ضفافها السيد المسيح، واحتضنت الصحابة والتابعين، لم تكن مجرد جغرافيا؛ كانت رسالة إنسانية ممتدة من عمق التاريخ إلى ملامح المستقبل.
ثمانون عاما… والأردن يواجه العواصف وحده أحيانا، لكنه لا ينكسر.
مرت على المنطقة حروب غيّرت خرائط، وأسقطت عواصم، ومزقت أوطانا، بينما بقي الأردن واقفا بثبات نادر، يحرس حدوده بعين جيشه، ويحفظ أمنه بحكمة قيادته، ويصون كرامة شعبه بإرادة لا تلين.
وفي قلب خطاب الاستقلال، لم يكن الملك يخاطب شعبا فقط، بل كان يخاطب روح وطن كاملة.
حين قال: “الأردن يعرف نفسه، ويعرف وجهته، ويعرف خياراته” فإنه لم يكن يطلق عبارة سياسية عابرة، بل كان يرسم فلسفة دولة كاملة؛ دولة لا تتخبط، ولا تضيع في الضجيج، ولا تستورد هويتها من أحد.
الأردن يعرف تماما من يكون… ويعرف أن قوته لم تكن يوما في كثرة العدد، بل في صلابة الموقف، وفي الإنسان الأردني الذي تعلم كيف يحول الشدائد إلى قوة، والأزمات إلى فرصة، والتعب إلى كرامة.
هذا الوطن الذي “يعتلي لسانه بأبشر”، لم يبنَ على النفط، ولا على الوفرة، بل بني على الرجال.
على الجندي الواقف في البرد، والمعلم الذي يصنع الوعي، والطبيب الذي يقاتل للحياة، والعامل الذي يحمل الوطن على كتفيه بصمت.
بني على شعبٍ إذا ضاقت الدنيا قال: سنعبرها معا.
وفي واحدة من أعظم رسائل الخطاب، وضع الملك يده على جوهر الشخصية الأردنية حين قال:
“ما ولد من رحم هذه البلاد الأصيلة لا يهزم ولا يكسر” وهنا تكمن الحكاية كلها. فالأردني لا يقاس بما يملك، بل بما يحتمل. ولا يعرف بالترف، بل بالصلابة. هو ابن الصحراء التي تعلم منها الصبر، وابن الجبال التي أورثته الكبرياء، وابن تاريخ طويل من العزة والانتماء.
لقد كان خطاب الاستقلال هذا العام أكثر من كلمة احتفالية؛ كان إعلان ثقة بدولة تعرف طريقها وسط عالم مرتبك، ورسالة طمأنينة لشعبٍ أنهكته التحديات لكنه لم يفقد إيمانه بوطنه.
كان خطابا يذكر الأردنيين بأن الأوطان العظيمة لا تبنى بالرخاء فقط، بل تبنى أيضا بالصبر، والإيمان، والتكاتف، والقدرة على الوقوف كل مرة بعد التعب.
ثمانون عاما… والأردن ما زال يقول للعالم إن الكرامة ليست بحجم الدولة، بل بحجم الموقف.
وأن الأوطان الحقيقية لا تسقط ما دام فيها شعب يؤمن بها، وقيادة تحملها كأمانة، وجيش يذود عنها حتى آخر نبض.
سيبقى الأردن، كما كان دائما، وطنا يشبه الضوء وسط العتمة، واليقين وسط الفوضى، والثبات وسط الانهيارات.
وسيظل الهاشميون والأردنيون يكتبون معا قصة وطنٍ لا يعرف المستحيل، لأن بينه وبين شعبه عهدا “يحفظ في الصدور… الله أعلم به من كل قول”.















