الازايدة يكتب … جدائل حمراء تنسج الهوية والوجدان

الازايدة يكتب … جدائل حمراء تنسج الهوية والوجدان

 

بقلم : النائب سامر الازايدة

وكالة محليات الاخباري – عمان – لكل أمة رموزٌ تختزل روحها، وتحمل شيئاً من تاريخها، وتسكن في وجدان أبنائها جيلاً بعد جيل. وفي الأردن، يبقى الشماغ الأحمر واحداً من أصدق هذه الرموز وأعمقها حضوراً؛ فهو ليس قطعة قماش تُرتدى، ولا موضةً عابرةً تأتي وتذهب، بل حكاية وطنٍ نُسجت خيوطها من الكرامة والانتماء والوفاء.

حين ننظر إلى أبناء جيشنا العربي المصطفوي، نجد الشماغ الأحمر حاضراً في الصورة والذاكرة معاً. كان هناك يوم وقف الرجال في مواقع الشرف يدافعون عن الأرض والكرامة، وشهد تضحياتٍ صنعت صفحاتٍ مضيئة في تاريخ الوطن. ومنذ ذلك الحين، لم يعد مجرد لباس، بل أصبح رمزاً وطنياً يختزل معاني العزة والصمود والانتماء، وأحد أكثر الرموز حضوراً في التعبير عن الهوية الأردنية.

وعلى امتداد مسيرة الدولة الأردنية الحديثة، ظل الشماغ الأحمر حاضراً إلى جانب الراية الهاشمية، وفي صورة القيادة الهاشمية الحكيمة، وفي ميادين الجيش العربي والأجهزة الأمنية التي حملت مسؤولية حماية الوطن وصون استقراره. فكان رمزاً للاستمرارية التي جمعت بين أصالة الماضي وثقة الحاضر وطموح المستقبل.

وللشماغ في الوجدان الأردني لغةٌ لا تحتاج إلى شرح. حين يرمي الرجل شماغه طلباً للصلح، فهو لا يلقي قطعة قماش، بل يضع اعتباره وثقته أمام الناس، مؤمناً بقيم الشهامة والكرم التي تربى عليها الأردنيون. وحين يُقلب الشماغ في لحظة ألم أو حزن، يفهم الجميع ما تعجز الكلمات أحياناً عن التعبير عنه، لأن الرموز الصادقة تتحدث بلغةٍ أعمق من الكلام.

هذا الشماغ نُسج بأيادٍ لم تعرف الكسل، أيادي الجدات والأمهات اللواتي أودعن فيه العمر كله، خيطاً من العز وخيطاً من الفخر، حتى خرج منهن شاهداً على كل ما لا تقوله الكلمات، كل هدبة فيه دعاءٌ همسته أمٌّ وكل جدلة حكايةٌ من حكايات هذا الوطن. 

الأردني منذ طفولته يعتاد هذا المشهد؛ يراه في بيته، وفي قريته، وفي مدينته، وفي المناسبات الوطنية والاجتماعية، فيحفظه في ضميره قبل ذاكرته. وحين يكبر يدرك أن ما كان يراه كل يوم لم يكن مجرد لباس، بل رمزاً يحمل جزءاً من هويته وذاكرته وانتمائه.

ولهذا كله، فإن الإساءة إلى هذا الرمز أو توظيفه في سياقات مبتذلة أو ساخرة لا تُنظر إليها بوصفها إساءة لقطعة قماش، بل باعتبارها مساساً برمزٍ عزيزٍ على وجدان الأردنيين. فمن يظن أنه يمس شيئاً مادياً فحسب، يغفل أنه يقترب من ذاكرةٍ وطنية تشكلت عبر عقود، ومن مشاعرٍ ارتبطت بالتضحية والوفاء والانتماء.

والغضب من الإساءة إلى هذه الرموز ليس تعصباً ولا انفعالاً عابراً، بل تعبيرٌ طبيعي عن الاعتزاز بالهوية الوطنية والتمسك بما يجمع الناس ويوحدهم. فالأمم الحية تحافظ على رموزها وتحترم ذاكرتها الجمعية، لأن احترام الرموز هو احترامٌ للتاريخ الذي صنعها وللقيم التي تمثلها.

لكن الحفاظ على هذه الرموز لا يكون بالغضب وحده، بل بالوعي والمسؤولية واحترام القانون. فالمجتمع الذي يعتز برموزه هو المجتمع القادر على حمايتها بالحجة والثقافة والوعي، وبالوسائل القانونية المشروعة متى تجاوزت الإساءة حدود الرأي إلى الإهانة أو التحقير أو الإضرار بالسلم المجتمعي.

سيبقى الشماغ الأحمر حاضراً فوق الرؤوس الأردنية، في الأفراح والأتراح، وفي ميادين العمل وساحات الشرف، لأنه يحمل في خيوطه دعوات الأمهات، وتضحيات الآباء، وذكريات الأجيال التي بنت هذا الوطن وحافظت عليه. وسيبقى شاهداً على قصة دولةٍ صنعت مكانتها بالثبات والعمل والإخلاص.

ومن يحاول تشويه هذا الرمز أو النيل منه، عليه أن يدرك أنه لا يواجه قطعة قماش، بل يواجه ذاكرة وطن، ووجدان شعب، وتاريخ دولةٍ راسخة بمؤسساتها، قوية بقيادتها الهاشمية، معتزة بجيشها وأجهزتها الأمنية وأبنائها المخلصين.

حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والعزة، ليبقى