خضر تكتب: الدول لا تسقط حين ينتشر الفساد بل حين يُقابَل بالصمت

خضر تكتب: الدول لا تسقط حين ينتشر الفساد بل حين يُقابَل بالصمت

بقلم : ‏امل خضر

وكالة  محليات الاخباري – عمان – وكأن الصمت خيارٌ آمن، وكأن الاعتياد عليه شكلٌ من أشكال الحكمة وكأن مقاومته باتت ترفًا لا طائل منه.

‏لم يعد السؤال اليوم كم فاسدًا بيننا؟بل كم شريفًا ما زال يملك القدرة على أن يقول لا دون أن يُدفع إلى الهامش أو يُحاصر أو يُترك وحيدًا؟

‏فالأوطان لا تنهار فجأة بل تتآكل بصمت بطيء يشبه المرض حين يُترك بلا علاج. يبدأ الأمر حين يصبح الخطأ مألوفًا وحين تتحول الاستثناءات إلى قواعد وحين يُنظر إلى الفساد لا كجريمة، بل كـجزء من المشهد.

‏سيدي

‏أخطر ما يهدد الدول ليس الفساد ذاته بل تطبيعه.حين يصبح الناس أكثر دهشة من من يُبلّغ عنه من دهشتهم من الفعل نفسه.

‏وحين يُعامل الناقد وكأنه خارج عن الصف لا كمن يحاول إصلاحه.

‏وحين يتحول الصمت إلى مهارة للبقاء بدل أن يكون موقفًا أخلاقيًا للنجاة.

‏وحين يصبح قول الحقيقة مخاطرة أكبر من ارتكاب الخطأ، تكون الدولة قد دخلت أخطر مراحلها دون أن تعلن ذلك.

‏الفساد لا يدخل من الأبواب الكبرى بل يتسلل من التفاصيل الصغيرة واسطة تُمرَّر بلا مساءلة حق يُؤجَّل بلا تفسير، كفاءة تُقصى بلا مبرر وفرصة تُمنح لغير مستحقها لأن السند أقوى من الاستحقاق. ومن هنا يبدأ الانهيار الحقيقي لا في المال أولًا بل في الثقة.

‏لقد تعبت الناس، لا من الفقر وحده، بل من شعورها أن العدالة تُدار بميزان غير مرئي وأن القواعد تُطبق على البعض وتُستثنى من البعض الآخر. تعبت من تكرار الوعود حتى فقدت الكلمات معناها ومن رؤية الإصلاح يُقال كثيرًا ولا يُرى إلا قليلًا.

‏سيدي

‏الأردن لم يكن يومًا بلد موارد بل بلد ثقة.وثقة الشعوب لا تُشترى، ولا تُفرض ولا تُستعاد بسهولة حين تنكسر.

‏الخطر اليوم ليس في وجود الأخطاء بل في القبول بها. وليس في وقوع الظلم بل في اعتياده. فحين يصبح الصمت أكثر أمانًا من الكلام وحين يخاف الشريف من الحقيقة أكثر مما يخاف الفاسد من الفعل تختل المعادلة بالكامل.

‏وعندها لا يعود الفساد مشكلة أفراد بل يصبح بيئة.

‏ولا تعود المواجهة خيارًا بل استثناءً نادرًا.

‏سيدي

‏الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالشعارات بل بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء. لا يبدأ بتغيير الوجوه فقط بل بتغيير البيئة التي تسمح بتكرار الخطأ دون محاسبة، وتجعل النفوذ أقوى من العدالة، والعلاقة أقوى من الاستحقاق.

‏الدولة لا تُقاس بكثرة خططها بل بقدرتها على تحويل القانون من نص مكتوب إلى واقع ملموس.

‏سيدي

‏نحن لا نكتب من موقع الخصومة بل من موقع الخوف على وطن يستحق أن يبقى قويًا بعدله لا ضعيفًا بتناقضاته.

‏ولا نرفع الصوت بحثًا عن صدام بل رفضًا لفكرة أن الفساد يمكن أن يصبح جزءًا من الحياة اليومية دون مقاومة.

‏فالدول لا تسقط حين يعلو صوت الفاسدين

‏بل حين يخفت صوت الشرفاء.

‏وحينها فقط لا يكون السقوط حدثًا بل نتيجة طبيعية لصمت طويل.

‏حفظ الله الأردن، وحفظ شعبه، وأدام عليه الأمن، وجعل العدل فيه أقوى من كل نفوذ، والقانون فيه أعلى من كل استثناء.