صالح تكتب … الأردن.. ليس خطأً ان نفرح

صالح  تكتب …  الأردن.. ليس خطأً ان نفرح

 

بقلم : جينا صالح

وكالة محليات الاخباري – عمان – فالقلوب المُثقَلة بالحروب والخذلان تحتاج نافذةً صغيرةً من الضوء، وهدف جميل يحرزه لاعبٌ اردني كـ موسى التعمري قد يُعيد للحشود شيئاً من الإحساس بالحياة والانتماء والفخر.

وليس عيباً أن نحتفي بصورة مشرّفة رفعت اسم الوطن في زمنٍ باتت فيه الأوطان تُستنزف من الداخل قبل الخارج…

 

لكن الكارثة تبدأ حين يتحوّل هذا الفرح إلى “سقف نهائيّ” لأحلام الناس…

 

حين يصبح الإنجاز الفردي بديلاً عن المشروع الوطني، والتصفيق المؤقّت بديلاً عن صناعة المستقبل.

 

ما الذي يجعل وطناً كاملاً يعلّق آماله على هدف في مباراة؟

 

وما الذي يدفع شعوباً بأكملها إلى البحث المحموم عن لحظة انتشاء عابرة، وكأنها نجاةٌ جماعية من واقعٍ خانق؟

 

ربما لأننا ــ بصراحة موجعة ــ لم نعد نملك الكثير لنفرح به..

 

فحين تتراجع جودة التعليم، ويُهمَّش العقل، ويُهاجر أصحاب الكفاءة، وتضيق الحياة بالناس اقتصادياً ونفسياً، يصبح أيّ انتصارٍ صغير! حدثاً استثنائياً..

 

ليس لأنّه عظيم بالضرورة… بل لأنّ الواقع من حوله شديد الهشاشة.

 

المشكلة ليست في الجماهير التي فرحت، بل في منظومة كاملة عجزت عن إنتاج إنجازات متراكمة في العلم والاقتصاد والثقافة والسياسة والرياضة معاً، حتى صار الناس يُدفعون دفعاً للاحتفاء بما هو أقلّ من الطموح… وأحياناً أقلّ من الواجب…

 

لقد نجحت بعض الأنظمة ــ عن قصد أو عن عجز ــ في تحويل الشعوب من أمم تُفكّر بمصيرها، إلى جماهير تكتفي بردود الفعل العاطفية..

 

فالفرح السريع أسهل من بناء الوعي، والهتاف أسهل من طرح الأسئلة، والانشغال بصورة لاعب أو فنان أو “ترند” أسهل بكثير من مواجهة الخراب الحقيقي في بنية المجتمع.

 

وهنا تصبح معركتنا مع الوعي معركة وجود..لأن أخطر ما قد يحدث للإنسان ليس الفقر وحده، بل أن يعتاد القليل…

 

أن يقتنع أن لحظة تصفيق تكفيه عن حقه في تعليم كريم، وصحة عادلة، وفرص حقيقية، وحياةٍ تشبه إنسانيته وتلبي طموحه..

 

يا احبتي:

 

الأوطان القوية لا تضع الطبيب في مواجهة اللاعب، ولا المهندس في مواجهة الفنان، ولا المثقف في مواجهة الجماهير.

 

الأوطان الحقيقية تصنع بيئةً يتّسع فيها المجد للجميع؛ حيث يصبح النجاح الرياضي جزءاً من منظومة نهوض كاملة، لا ستاراً يُخفى خلفه الفشل العام..

 

إننا لا نرفض الفرح…

 

بل نرفض أن يُستخدم الفرح كبديلٍ عن الوعي..

 

ولا نُهاجم الحبّ العفوي للوطن…

 

بل نخشى أن يتحوّل هذا الحب إلى عاطفة مستنزفة لا تنتج فعلاً، ولا تبني مستقبلاً، ولا تُحاسب أحداً.

ربما لم نُهزم فقط سياسياً أو اقتصادياً…

 

ربما هُزمنا حين أصبح “الوهم المؤقّت” أكثر إقناعاً لنا من الحلم الحقيقي.

 

ومع ذلك، ما زال هناك أمل..؛

 

فكلّ صوت يُحاول أن يوقظ الأسئلة وسط الضجيج هو مقاومة..

 

وكلّ مثقفٍ يرفض تسطيح الوعي ‘شريكٌ في إنقاذ ما تبقّى من الإنسان..

 

وكلّ محاولة لجعل هذا العالم أقلّ قسوة تبدأ من فكرة، ومن كلمة، ومن إيمان عميق بأن الوعي ليس ترفاً… بل نجاة…

 

لهذا ستبقى معركتنا مع الوعي مستمرة؛

 

لأننا مسؤولون ــ أفراداً ومؤسسات ــ عن ألا نُربّي أبناءنا على الاكتفاء بالتصفيق، بل على القدرة على البناء، والابتكار، والسؤال، والحلم الكبير..

 

فالانتماء الحقيقي ليس هتافاً عابراً…

 
 

بل وعيٌ يحمي الهوية من التآكل، ويحمي الإنسان من أن يتحوّل إلى كائن يبحث عن “وهم الفرح” كلما ضاقت به الحياة.