عاشور يكتب … حين تتحدث الدولة بلغة الحوكمة

عاشور يكتب … حين تتحدث الدولة بلغة الحوكمة

 

بقلم: د. ثائر عاشور

وكالة محليات الاخباري – عمان – ليست قوة الدولة في كثرة القوانين التي تصدرها، وإنما في قدرتها على تطبيقها بعدالة واتساق، بعيدًا عن الأهواء أو الاعتبارات الشخصية. فحين يشعر المواطن أن القانون يسري على الجميع، وأن المسؤولية تقترن بالمساءلة، تبدأ الثقة بالمؤسسات بالنمو، ويتحول احترام القانون إلى ثقافة مجتمعية لا مجرد نصوص مكتوبة.

وفي هذا السياق، جاء طلب دولة رئيس الوزراء من وزير العمل تقديم استقالته، على خلفية ما أُعلن عن مخالفته لمدونة السلوك، ليؤكد أن الحكومة تتعامل مع معايير النزاهة والالتزام الوظيفي بوصفها جزءًا أصيلًا من منظومة الإدارة العامة، وليس مجرد شعارات تُرفع في المناسبات.

قد يختلف الناس في قراءة القرارات أو تفسير تفاصيلها، لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن الدولة القوية تُقاس بقدرتها على إنفاذ قواعدها على الجميع، وأن الحوكمة لا تكتمل إلا عندما تتحول من نصوص في الأدراج إلى قرارات تُطبق على أرض الواقع.

لقد وضع جلالة الملك عبدالله الثاني، منذ سنوات، التحديث الإداري في صدارة أولويات الدولة، مؤكدًا في مختلف الأوراق النقاشية والتوجيهات الملكية أهمية بناء إدارة عامة كفؤة، تقوم على النزاهة والشفافية، وترتكز إلى الكفاءة والمساءلة وسيادة القانون. ولم يكن ذلك مجرد رؤية نظرية، بل مشروعًا وطنيًا يسعى إلى تطوير القطاع العام وتعزيز ثقة المواطن بمؤسساته، والارتقاء بجودة الخدمات، وترسيخ ثقافة الإنجاز والمسؤولية.

ومن يقرأ مسار الإصلاح الإداري في الأردن يدرك أن الحوكمة لم تعد خيارًا، بل أصبحت ضرورة تفرضها متطلبات الدولة الحديثة. فالإدارة الرشيدة لا تقوم على الأشخاص، وإنما على مؤسسات تحكمها الأنظمة، وتوجهها القيم، ويحاسب فيها الجميع وفق معيار واحد.

إن ما قام به دولة رئيس الوزراء ينسجم مع هذا التوجه الوطني، ويبعث برسالة مهمة مفادها أن المنصب العام تكليف لا تشريف، وأن مدونة السلوك ليست وثيقة شكلية، وإنما عقد أخلاقي بين المسؤول والدولة والمواطن.

والمطلوب اليوم ألا يتوقف هذا النهج عند واقعة بعينها، بل أن يمتد ليشمل جميع مؤسسات الدولة، وأن تصبح مدونات السلوك والحوكمة والمساءلة جزءًا من الممارسة اليومية في العمل الحكومي، بحيث يشعر الموظف والمسؤول، قبل المواطن، أن الالتزام بالقانون هو الطريق الوحيد لأداء الواجب العام.

لقد أثبتت التجارب أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص، بل يبدأ بتغيير الثقافة المؤسسية. وعندما تصبح المحاسبة قاعدة ثابتة، وتُطبق المعايير على الجميع دون تمييز، فإن الدولة تكسب أكبر رأسمال يمكن أن تمتلكه، وهو ثقة مواطنيها.

إن الأردن اليوم يمضي بثبات في مشروع التحديث الذي يقوده جلالة الملك، ويترجمه المسؤولون إلى إجراءات عملية. وكل قرار يعزز النزاهة، ويكرس الحوكمة، ويؤكد أن لا أحد فوق قواعد العمل العام، هو خطوة إضافية في بناء دولة المؤسسات التي نطمح إليها جميعًا.

فالهيبة الحقيقية للدولة لا تُصنع بالسلطة وحدها، بل تُصنع بالعدالة، وباحترام القانون، وبالقدرة على اتخاذ القرار حين تستدعي المصلحة العامة ذلك. وعندما تتقدم الحوكمة على المجاملة، تنتصر الدولة، ويطمئن المواطن إلى أن مؤسساته تسير في الاتجاه الصحيح.