الحماد يكتب … مدرج صنعاء وضريبة هرمز.. حافة الهاوية من البر إلى البحر

الحماد يكتب … مدرج صنعاء وضريبة هرمز.. حافة الهاوية من البر إلى البحر

 

بقلم: حسام الحماد

وكالة محليات الاخباري – عمان – لم يكن قصف مدرج مطار صنعاء الدولي، لمنع هبوط طائرة إيرانية وإجبارها على الالتفاف نحو الحديدة، مجرد تفصيل عسكري عابر في أزمة اليمن الطويلة، بل هو الشرارة الميدانية الأولى لرسم خطوط حمراء جديدة بالبارود. هذه المحاولة الإيرانية المتكررة لتثبيت حضور جوي مباشر وكسر حظر دام لعشر سنوات، لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الإقليمي المتفجر؛ إذ تتزامن بدقة متناهية مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار بحري شامل على طهران، وتولّي واشنطن إدارة مضيق هرمز بفرض “ضريبة حماية” بلغت 20% عقب إغلاق طهران للمضيق. إننا أمام معادلة ملتهبة تتداخل فيها الأجواء بالبحار، حيث تعيش إيران حالة من نشوة الانتصار التكتيكي بعد جولات التصعيد الأخيرة مع الولايات المتحدة، مما دفعها لمحاولة فرض أمر واقع جديد وتوسيع نفوذها الإقليمي، مرسلةً رسالة واضحة لواشنطن بأن مضيق باب المندب والبحر الأحمر يقعان تحت نفوذها تماماً كما هو الحال في مضيق هرمز.

البداية كانت من تحول نوعي كسر قواعد اللعبة المستقرة منذ عقد من الزمن؛ ففي الثالث من يوليو الحالي، هبطت طائرة إيرانية مباشرة في مطار صنعاء الدولي بحجة نقل وفد من جماعة “أنصار الله” شارك في تشييع المرشد الإيراني الراحل. لم يكن هذا العبور مجرد تنسيق بروتوكولي، بل بالون اختبار إيراني لتطبيع الرحلات المباشرة وفرض سيادة جوية مطلقة تسهل نقل الخبراء والتقنيات العسكرية الحساسة علناً ودون رقابة. وعندما تكررت المحاولة لإعادة الوفد ذاته عبر طائرة أخرى تحمل تسجيلاً مختلفاً، جاء القرار الحاسم من وزارة الدفاع اليمنية التابعة للحكومة الشرعية، وبضوء أخضر وتنسيق كامل مع التحالف بقيادة الرياض، حيث تم استهداف وتدمير مدرج المطار لمنع الطائرة وإرغامها على الالتفاف والهبوط اضطرارياً في مطار الحديدة على الساحل الغربي لتفريغ حمولتها. هذا الحسم العسكري أثار غضب صنعاء، وسارع الحوثيون لشن مناورة إعلامية ذكية باعتبار قصف المدرج بمثابة “إعلان حرب” صادر عن السعودية لإعفاء أنفسهم من مسؤولية انهيار الهدنة مسبقاً، وتبرير أي ضربات صاروخية قد تستهدف منشآت حيوية واقتصادية في الجوار.

بالنسبة للرياض، يمثل هذا الاختراق الجوي خطاً أحمراً مطلقاً وهاجساً إستراتيجياً لا مجال فيه للمساومة؛ إذ ترى المملكة في فتح خط جوي مباشر وسيلة لبناء نموذج “حزب الله” جديد على حدودها الجنوبية يهدد عمقها لسنوات، ويفشل جهودها في تصفير الأزمات والتفرغ لمشاريعها الاقتصادية الكبرى ورؤية ٢٠٣٠. وفي المقابل، يتقاطع هذا التحرك مع الاندفاع الأمريكي؛ فالرئيس ترامب لم يكتفِ بالحصار البحري، بل فرض ضريبة الـ 20% على شحنات النفط المارة عبر هرمز لتغطية تكاليف الحماية البحرية، مما دفع إيران للهروب إلى الأمام ومحاولة استخدام ورقة اليمن لفك هذا الخناق وقضم السيادة الجوية، لإفهام الخصوم أن أي تضييق في الخليج سيقابله تفجير كامل لجبهة جنوب الجزيرة العربية وممرات الطاقة العالمية.

المنطقة اليوم تقف عند أخطر منعطفات “حافة الهاوية” بين سيناريوهين مفتوحين؛ فإما الذهاب نحو انفجار عسكري شامل تشتعل فيه الجبهات اليمنية الداخلية كالمأرب والتعز والساحل الغربي، وتتدحرج فيه صواريخ الحوثيين ومسيراتهم نحو موانئ ومطارات المنطقة والبحر الأحمر، وهو ما قد يحدث سريعاً إذا أصرت طهران على تحدي القصف الجوي وتسيير رحلات أخرى. وإما—وهو السيناريو القسري—أن تفرض الجغرافيا شروطها وتدخل المنطقة في جولة معقدة من سياسة “عض الأصابع”، تتدخل فيها الوساطة الإقليمية، وتحديداً العُمانية، خلال الأسابيع القادمة للوصول إلى تسوية تضمن تجميد الرحلات الإيرانية المباشرة مقابل تقديم تسهيلات بديلة للرحلات التجارية الحوثية إلى وجهات أخرى كالأردن أو مصر، مما يتيح لصنعاء النزول عن الشجرة دون خسارة ماء وجهها. في المحصلة، فإن معركة الأجواء في صنعاء باتت مرآة لمعركة المضائق، والأيام القليلة القادمة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كنا أمام تسوية قسرية تُفرض بالحديد والنار، أم مواجهة واسعة لا تبقي ولا تذر.