بقلم: حسام الحماد
وكالة محليات الاخباري – عمان – يعيش الشرق الأوسط اليوم على وقع تحولات استراتيجية بالغة الدقة والتسارع، تتشابك فيها خيوط التصعيد الأمريكي-الإيراني المحتدم، مع استمرار الهجمات الميدانية التي تقودها ميليشيا الحوثي مستهدفةً شرايين الطاقة وناقلات النفط في محاولة مكشوفة لفرض معادلات ضاغطة على الاقتصاد العالمي. وفي خضم هذه السيولة السياسية المشتعلة وحالة عدم اليقين التي تضرب أطناب الإقليم، تعيد العواصم الكبرى رسم حساباتها، بينما تخطو الرياض خطوات واثقة نحو إعادة هندسة بيئتها الأمنية والاستراتيجية.
وأمام هذه التطورات المعقدة، يبرز التساؤل الجوهري الأهم: وسط هذه العاصفة، إلى أين تتجه الرياض؟ وهل تسعى لامتلاك درع نووي يغير قواعد اللعبة؟
إن التوقيت الدقيق لتوقيع اتفاقية التعاون النووي المدني والترتيبات الأمنية بين الرياض وواشنطن لا يمكن قراءته بمعزل عن حالة السيولة الاستراتيجية المشتعلة في المنطقة. فالسعودية تدرك تماماً كيف توظف “لحظات الأزمات الكبرى” والتوترات العالية لفرض أمر واقع استراتيجي؛ إذ تتبع الرياض براغماتية حادة تسعى من خلالها لسحب فتيل الابتزاز الإيراني وتأمين البنية التحتية الحيوية ومقدراتها الاقتصادية عبر ربط أمنها القومي بمظلة ردع أوسع.
ولقد أدركت الإدارة الأمريكية أن إبطاء هذا الملف أو تعليقه لم يعد مجدياً في ظل متغيرات إقليمية ضاغطة، ولا سيما الخشية الأمريكية الواسعة من اتجاه السعودية نحو بناء شراكات استراتيجية بديلة مع قوى دولية أخرى كالصين أو روسيا اللتين كانتا جاهزتين لتقديم عروض بديلة لبرامج الطاقة والتقنية. علاوة على ذلك، فإن هذا التحرك يعكس عمق الرؤية الاستراتيجية للرياض التي تمتلك أصلاً شبكة من التحالفات الدفاعية المتقدمة — مثل اتفاقيات الدفاع المشترك الاستراتيجية مع باكستان بصفتها دولة نووية — مما جعل صانع القرار الأمريكي يتعامل مع المطالب السعودية بجدية بالغة، ويمضي في توقيع هذه الاتفاقيات الكبرى متجاوزاً القيود التقليدية أو شروط التعطيل المرتبطة بالتطبيع الرسمي مع حكومة بنيامين نتنياهو، في إقرار واقعي بأن أمن الطاقة العالمي ومصالح واشنطن الاستراتيجية تقتضي شراكة مباشرة وغير قابلة للتأجيل مع القوة الإقليمية الصاعدة في المنطقة.
لفهم هذا التحول الاستراتيجي بعمق، لا بد من التمييز الدقيق بين مفهوم “الردع النووي العسكري” البحت وبين ما يُعرف بـ **”القدرة التكنولوجية الكامنة”**؛ فالسعودية، ومن خلال خططها لتوطين التقنية وتطوير محطات الطاقة وتحلية المياه، تقف اليوم على ما يُعرف عُرفاً بـ “العتبة النووية”، وهي عتبة تمنح الدولة خيارات استراتيجية بعيدة المدى دون بالضرورة الذهاب فوراً نحو تصنيع السلاح. وفي هذا السياق، فإن موقف الرياض يتسم بالوضوح التام: فهي ترفض تماماً انتشار أسلحة الدمار الشامل إقليمياً، لكنها في الوقت ذاته ترفض بشكل قاطع أن تنفرد طهران بهذا التفوق التكنولوجي والاستراتيجي. وقد لخص ولي العهد الأمير محمد بن سلمان هذه المعادلة بوضوح حاسم عندما أكد أن المملكة لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، ولكنها ستفعل المثل فوراً إذا امتلكته إيران. من هنا، تجاوزت الاستراتيجية الأمنية السعودية مرحلة الاعتماد على الوعود والالتزامات الفضفاضة، لتنتج عقيدة أمنية أكثر صرامة وبراغماتية، تقوم على قاعدة “الوقاية المزدوجة”؛ إذ لا يعتمد الردع السعودي على القدرات التقنية والمحلية وحدها، بل يرتكز على منظومة تحالفات كبرى عابرة للحدود، كتلك الشراكات الدفاعية المتقدمة مع قوى نووية مثل باكستان، لتتكامل مع الاتفاقيات التقنية المبرمة مع الولايات المتحدة، وتضمن للرياض مظلة ردع استراتيجية فورية توازن أي تهديد إيراني محتمل وتحمي أمنها القومي بحزم وموثوقية عالية.
ولا يمكن فصل هذا التطور الميداني الخطير عن السياق الاستراتيجي الأوسع؛ فبعد يوم واحد فقط من توقيع اتفاقية التعاون النووي مع الولايات المتحدة، نفذت ميليشيا الحوثي يوم الأربعاء (23 يوليو 2026) هجوماً بصواريخ وطائرات مسيّرة استهدف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر (هما “إنسيليا” و”ليلى”)، وذلك في أعقاب إعلانهم لما سموه “حظر الملاحة البحرية” في 21 يوليو. يأتي هذا الاستهداف بوصفه أداة ضغط خشنة تستخدمها طهران عبر وكلائها لعرقلة أي هندسة أمنية أو استقرار طويل الأمد تسعى الرياض لبنائه. وعند تفحص طبيعة هذه الضربات التي استهدفت ناقلتي النفط السعوديتين قبالة سواحل جازان، تظهر براغماتية وقدرة عالية على امتصاص الصدمات في إدارة الإمدادات؛ ففي حين حاولت طهران عبر وكلائها تعطيل الملاحة وخنق عصب التصدير، وجدت السعودية مسارات بديلة لضمان استمرار تدفق النفط، كتحويل جانب من الإمدادات لتلبية حاجة السوق الأوروبية عبر الأنابيب المتاحة. أما بالنسبة للأسواق الآسيوية المتضررة، فإن أي توجيه محتمل لشحن النفط عبر بدائل أطول مثل “رأس الرجاء الصالح” يجعل تكلفة الشهن الإضافية تقع على عاتق الدول المستوردة والمستهلكة لا المنتج، ورغم أن المملكة قد تشهد تأثيراً محدوداً أو انخفاضاً طفيفاً في حركة التصدير المباشر، إلا أن حجم الضرر الفعلي ظل أبعد ما يكون عن الأهداف الاستراتيجية التي رالحت طهران ووكلاؤها تراهن عليها لتعطيل القرار السيادي السعودي.
تقف إسرائيل أمام هذا المشهد الاستراتيجي المتسارع في مأزق حقيقي وتخبط غير مسبوق؛ فالتطورات الأخيرة المتعلقة بالتقارب السعودي الأمريكي وتوقيع الاتفاقية النووية بمعزل عن القيود والشروط التي اعتادت تل أبيب فرضها، تُعد بالنسبة للمؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية “كابوساً استراتيجياً” في عدة أبعاد رئيسية
بتآكل احتكار القوة والردع طالما اعتبرت إسرائيل تفوقها التكنولوجي والعسكري (والنووي حصرياً) خطاً أحمر وميزة استراتيجية مطلقة لا تشركها فيها أي قوة إقليمية. إن دخول الرياض على خط امتلاك بنية تحتية نووية وتقنية متقدمة يضرب هذا الاحتكار في عمقه.
وفقدان السيطرة على القرار الأمريكي اعتادت تل أبيب أن تكون “بوابة” تمر من خلالها أي ترتيبات أمنية كبرى في الشرق الأوسط. لكن المضي في الاتفاقيات بمعزل عن شروط حكومة بنيامين نتنياهو يثبت أن واشنطن تضع مصالحها الاستراتيجية وأمن الطاقة العالمي فوق الاعتبارات الإسرائيلية الضيقة.
والانشغال بالجبهات المفتوحة تأتي هذه التحولات بينما تترنح إسرائيل تحت وطأة حروبها الوجودية وجبهاتها المتعددة المستنزفة، وهو انشغال أتاح للرياض وواشنطن هندسة هذه الترتيبات بهدوء وبعيداً عن أي قدرة إسرائيلية فعلية على التعطيل، مما يعيد صياغة توازنات القوة في الإقليم برمته بعيداً عن الشروط الإسرائيلية.
ختاماً، إن ما تقوم به السعودية ليس مجرد صفقات ظرفية عابرة، بل هو إعادة هندسة شاملة لقواعد الأمن الإقليمي وتوازناته؛ لتؤكد الرياض من خلال هذا المخاض الاستراتيجي أن أمن الطاقة واستقرار المنطقة هما خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه.














