بقلم : العميد المتقاعد هاشم المجالي
وكالة محليات الاخباري – عمان – ما إن تسري في الناس إشاعةُ تعديلٍ وزاري، حتى ترى العجب العجاب!
هذا يعرض صورته، وذاك ينشر سيرته، وثالثٌ يستعرض شهاداته ومناصبه وخبراته، وكأنَّ باب الوزارة قد فُتح، وكأنَّ القوم قد جلسوا على طاولة الاختيار، وكأنَّ الأسماء قد كُتبت وانتهى الأمر!
والأعجب من ذلك أن بعضهم يتصرف وكأن الوزارة غاية الغايات، ونهاية الأمنيات، وكأن الإنسان إذا دخلها فقد دخل جنة الدنيا، ونال من المجد ما لا يزول.
يا قوم، هونوا على أنفسكم!
فما الوزارة إلا أمانة، وما الكرسي إلا خشبة يجلس عليها الرجل اليوم، وقد يجلس عليها غيره غدًا، وما أعجب شأن الدنيا؛ ترفع إنسانًا حتى يظن أنه لا يُرفع عليه أحد، ثم تخفضه حتى يتمنى أن تعود به الأيام إلى يوم كان فيه رجلًا عاديًا لا يعرفه الناس ولا يعرفونه!
أما قرأتم التاريخ؟ أما رأيتم كيف يفعل الزمان بأهله؟
انظروا إلى صدام حسين؛ رجلٌ كان يملك من القوة والسلطان ما جعل الناس يحسبون أن عرشه لا يهتز، فإذا بالأيام تدور، وإذا بالرجل الذي كان يخشاه الملايين يجد نفسه مختبئًا في حفرة ضيقة، بعيدًا عن كل مظاهر العظمة التي عاش فيها.
وانظروا إلى علي عبدالله صالح، الذي حكم اليمن سنين طويلة، ثم انتهت به الأيام إلى نهاية لا تشبه بدايته، فذهب الملك وبقيت العبرة.
وانظروا إلى معمر القذافي، الذي ملأ الدنيا صخبًا وجبروتًا، وكان يتصرف وكأن البلاد ملك يده، ثم دارت الدائرة، وانقلبت الأيام، وانتهى الرجل إلى نهاية يعرفها الناس.
وانظروا إلى حسني مبارك، الذي حكم مصر عقودًا، ثم وجد نفسه خلف القضبان، وحوكم أمام القضاء الذي كان في زمن سلطانه قائمًا، وأصبح الرجل الذي كانت تفتح له الأبواب إذا بالأبواب نفسها تُغلق في وجهه.
وانظروا إلى زين العابدين بن علي، الذي خرج من تونس هاربًا، لا يستطيع أن يظهر في الشارع كما كان يظهر يومًا، بعد أن كانت الدولة كلها تحت سلطانه.
وليس المقصود من ذكر هؤلاء أن نشمت بأحد، فالله وحده أعلم بالعباد ومصائرهم، وإنما المقصود أن نتعلم من الأيام قبل أن تعلّمنا الأيام بالطريقة القاسية.
فالملك لا يدوم، والمنصب لا يدوم، والجاه لا يدوم، ولا يبقى للإنسان في النهاية إلا ما قدّم.
وفي الأردن، ما زال الناس يتذكرون أسماء رجالٍ كان لهم في الدولة نفوذٌ ومكانةٌ كبيرة، ثم تغيّرت بهم الأيام؛ ومنهم باسم عوض الله، ومحمد الذهبي، وسميح البطيخي، وهم جميعًا ما زالوا على قيد الحياة.
وليس ذكر أسمائهم هنا اتهامًا لأحد، ولا شماتةً بأحد، وإنما هو تذكيرٌ بحقيقةٍ يعرفها كل عاقل: أن الرجل مهما علا، فلا بد أن يأتي يوم تنتهي فيه مهمته، ويجلس في بيته، وتصبح المناصب التي كانت بين يديه ذكريات.
فيا من تنشر صورتك اليوم طمعًا في الوزارة، اسأل نفسك سؤالًا واحدًا قبل أن تسأل: هل أنا أبحث عن حظ الوزير أم عن حظ الفقير؟
فالفقير، يا صاحبي، قد ينام وليس في عنقه حقُّ إنسان، ولا توقيعٌ أوقف رزق مواطن، ولا قرارٌ أضرّ بأسرة، ولا مسؤوليةٌ عن أموال الناس وأمنهم ومصالحهم.
أما الوزير، فقد ينام على سريرٍ وثير، ولكن في عنقه أمانة أمة.
وهنا أتذكر قول الله تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فإذا كان الملك لله، فلماذا يتقاتل الناس عليه؟
وإذا كانت المناصب عاريةً مستردة، فلماذا يفرح الإنسان بها فرح من يملكها إلى الأبد؟
ومن أراد الوزارة، فليدعُ الله قبل أن يدعو الناس، وليقل:
اللهم إن كانت الوزارة خيرًا لي في ديني ودنياي وآخرتي، فاكتبها لي ويسّرها لي، وإن كانت شرًا فاصرفها عني واصرفني عنها.
فإن جاءت، فليأخذها بأمانة.
وإن لم تأتِ، فليحمد الله؛ فلعلّ الله صرف عنه بابًا من أبواب التعب والحساب، وفتح له بابًا آخر لا يراه.
يا من تتمنى الكرسي، تذكر أن الكرسي الذي يرفعك في أعين الناس قد يكون هو نفسه الذي يثقل ظهرك يوم القيامة.
وتذكر أن الصورة التي تنشرها اليوم وأنت تبتسم طمعًا في الوزارة، قد تصبح غدًا صورةً من صور الماضي، بينما يبقى عملك هو الشاهد عليك.
فلا تطلب أن يكون حظك من الدنيا حظ الوزير، قبل أن تسأل عن حظك من الآخرة.
وربَّ فقيرٍ عاش حياته مستورًا، لا يعرفه أصحاب النفوذ، ولا تتبعه الكاميرات، ولا تُفتح له الأبواب، لكنه عند الله أعظم شأنًا من ألف وزير.
وربَّ وزيرٍ أُعطي من الدنيا ما تمنى، ثم وقف يومًا بين يدي الله يتمنى لو أنه لم يُعطَ شيئًا منها.
فيا رب، إن كتبت لنا منصبًا، فاكتب معه الأمانة.
وإن كتبت لنا جاهًا، فاكتب معه التواضع.
وإن كتبت لنا سلطةً، فاكتب معها العدل.
وإن لم تكتب لنا شيئًا من ذلك، فارزقنا الرضا.
فليس كل من جلس على الكرسي سعيدًا، وليس كل من جلس في بيته فقيرًا.
إنما السعيد من كان حظه عند الله أعظم من حظه عند الناس.
فاحذروا حظَّ الوزير إن كان ثمنه حسابًا، وارضوا بحظِّ الفقير إن كان ثمنه راحةَ الضمير.















