بقلم : الأستاذ الدكتور حكم شطناوي
وكالة محليات الاخباري – عمان – في 12 آب 2026 يدخل قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية رقم (13) لسنة 2026 حيز النفاذ، بعد مرور تسعين يومًا على نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 14 أيار 2026. ومنذ ذلك التاريخ تبدأ مرحلة تشريعية جديدة في منظومة التعليم العالي، لا تقف آثارها عند حدود النص القانوني، وإنما تمتد إلى بنية إدارة الجامعات وطريقة اختيار قياداتها وعلاقتها بأعضاء هيئتيها التدريسية والإدارية.
وسيكون الاستحقاق الأول تشكيل مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، وبدء ممارسة اختصاصاته وتفعيل لجانه. ومن بين الملفات التي سيجد المجلس نفسه أمامها موضوع مجالس أمناء الجامعات الرسمية والخاصة، إذ أناط القانون بالمجلس التنسيب إلى مجلس الوزراء بتعيين رؤساء مجالس الأمناء وأعضائها، وفق أحكام قانون الجامعات الأردنية.
ومن هنا تبدأ أهمية المرحلة الجديدة. فمجالس الأمناء التي ستتشكل في ظل الإطار التشريعي الجديد يفترض ألا تكون مجرد مجالس شكلية أو بروتوكولية، وإنما مجالس فاعلة في رسم السياسات، ومتابعة الأداء، وممارسة الرقابة، والمشاركة في اختيار القيادات الجامعية. وقد أعاد قانون الجامعات المعدل ترتيب مسار اختيار رؤساء الجامعات، بحيث يكون لمجلس الأمناء دور أساسي في تقديم التوصية باسم رئيس الجامعة، قبل انتقالها إلى مجلس التعليم ثم رئيس الوزراء، وصولًا إلى التعيين بالإرادة الملكية السامية في الجامعات الرسمية.
وهذا يضع مجالس الأمناء أمام مسؤولية حقيقية منذ لحظة تشكيلها: أن تقرأ واقع الجامعات كما هو، لا كما يُكتب في التقارير الرسمية؛ وأن تنظر في أوضاعها الأكاديمية والمالية والإدارية، وأن تقيم أداء إداراتها، وقدرتها على مواجهة التحديات التي تعصف بالتعليم العالي.
ولا يعني دخول التشريعات الجديدة حيز النفاذ أن رؤساء الجامعات الحاليين سيغادرون مواقعهم تلقائيًا، إذ إن الأحكام الانتقالية تتعامل مع أوضاع الرؤساء القائمين وفق المدد والأحكام المقررة. لكن المرحلة المقبلة ستضع أداء القيادات الجامعية أمام منظومة جديدة من التقييم والمسؤولية، وسيكون لمجالس الأمناء دور أكثر أهمية في تحديد اتجاهات الجامعات وقياداتها.
وإذا كان ملف اختيار رؤساء الجامعات يمثل الاختبار الإداري لمجالس الأمناء، فإن ملف الحوافز المالية يمثل الاختبار الأكثر حساسية في علاقتها مع أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية. فالمادة (21) من قانون رقم (14) لسنة 2026، قانون معدل لقانون الجامعات الأردنية، أعادت تنظيم الإطار المرتبط بالحوافز المالية، وربطت النسبة التي يمكن صرفها لأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية بالإيرادات المحصلة فعليًا من البرنامج الموازي والبرنامج الدولي لمرحلة البكالوريوس، وفق النسبة التي يقرها المجلس بناءً على تنسيب مجلس الأمناء، مع عدم صرف حوافز عن الدراسة الخاصة والدراسات العليا وبرامج الاتفاقيات.
وهذا ليس تعديلًا ماليًا تفصيليًا يمكن المرور عليه بهدوء. فهو يمس مباشرة الدخل الذي يعتمد عليه عدد كبير من العاملين في الجامعات الرسمية في ترتيب التزاماتهم المعيشية والمالية. ولذلك سيكون أمام مجالس الأمناء استحقاق بالغ الأهمية: كيف يمكن تطبيق التشريع الجديد دون أن يتحول الإصلاح المالي إلى تراجع في المستوى المعيشي للعاملين؟ مع العلم أن دخول أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية، بقيت دون زيادات حقيقية تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة خلال أكثر من خمسة عشر عامًا، في الوقت الذي تضاعفت فيه الأعباء المالية.
ومن هنا، فإن المطلوب من مجالس الأمناء ألا تنظر إلى الحوافز باعتبارها مجرد بند في الموازنة، بل باعتبارها جزءًا من الاستقرار المؤسسي ومنظومة العدالة الوظيفية. وإذا كان القانون قد منح مجالس الأمناء والمجالس المختصة مساحة لاتخاذ القرار في هذا الملف، فإن الأمل أن تُستخدم هذه المساحة باتجاه يحافظ على المستوى المادي للعاملين، ويأخذ بعين الاعتبار ما اعتادوا عليه من دخل خلال السنوات الماضية، وما بنوا عليه من التزامات مالية وأسرية. فالجامعات لا يمكن أن تطلب من أعضاء هيئتيها التدريسية والإدارية مزيدًا من الإنتاجية والبحث والتدريس وخدمة المجتمع، ثم تتعامل مع استقرارهم المالي باعتباره تفصيلًا ثانويًا.
مجالس الأمناء أمام امتحان مختلف والمسألة ليست فقط: من سيكون رئيس الجامعة القادم؟ السؤال الأهم هو: كيف ستدار الجامعة خلال السنوات الأربع المقبلة؟ هل سنشهد مجالس أمناء تمارس دورها الحقيقي في الحوكمة والمساءلة، وتختار القيادات على أساس الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على التطوير؟ أم سنعيد إنتاج النموذج السابق، مع تغيير الأسماء فقط؟
المرحلة الجديدة يجب أن تكون فرصة للخروج من منطق العلاقات الشخصية، ومن دوائر القربى والصداقة والمصاهرة التي قد تتسلل أحيانًا إلى مواقع صنع القرار، والانتقال إلى معيار واضح عنوانه الكفاءة أولًا، والمصلحة الجامعية فوق الاعتبارات الشخصية. فالجامعة اليوم تحتاج إلى أكثر من تغيير الأشخاص، تحتاج إلى تغيير في طريقة التفكير والإدارة وتنويع مصادر الدخل، ضبط النفقات، استثمار الموارد، تحسين جودة التعليم، دعم البحث العلمي، التحول الرقمي، واستعادة ثقة أعضاء الهيئة التدريسية والإدارية بأن الإصلاح لن يكون على حسابهم وحدهم.
لهذا فإن 12 آب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد موعد لدخول قانون جديد حيز النفاذ، وإنما باعتباره بداية اختبار حقيقي لمنظومة التعليم العالي. حيث ستكون هناك مجالس أمناء جديدة، وصلاحيات ومسؤوليات أكثر وضوحًا، وستكون القرارات الأولى لهذه المجالس ذات دلالة كبيرة؛ لأنها ستكشف منذ البداية ما إذا كانت المرحلة الجديدة ستقود إلى إصلاح حقيقي في الحوكمة الجامعية، أم إلى إعادة تدوير للنموذج القديم بأدوات وأسماء جديدة.
وفي النهاية، لا تحتاج الجامعات الأردنية إلى معجزات. تحتاج إلى مجالس أمناء تعرف مسؤولياتها، وقيادات تُحاسب على نتائجها، وقرارات مالية عادلة، وأعضاء هيئة تدريسية وإدارية يشعرون بأنهم شركاء في الجامعة لا مجرد بند في نفقاتها. والبشر، كعادتهم، لا يكتشفون قيمة القوانين إلا عندما تبدأ بتغيير رواتبهم ومناصبهم. وهذه المرة، لدينا فرصة أن نقرأ القانون ونفهم اتجاهه قبل أن تبدأ نتائجه بالظهور على أرض الواقع.
الأستاذ الدكتور حكم شطناوي – جامعة اليرموك















