خضر تكتب: الأردن لا يستدير شرقا بل يستعيد حقه في صناعة الخيارات

خضر تكتب: الأردن لا يستدير شرقا بل يستعيد حقه في صناعة الخيارات

 

بقلم :  ‏امل خضر

كالة محليات الاخباري – عمان –   ‏الدولة التي لا تملك إلا خياراً واحداً لا تملك خياراً حقيقياً.

‏بهذه القاعدة تُقرأ زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين بعيداً عن التفسير السهل الذي يضعها في خانة الاستدارة نحو الشرق فالأردن لا يغادر الغرب ولا يبحث عن محور بديل ولا يعيد تعريف تحالفاته بل يوسّع مجال حركته في عالم تتعدد فيه مراكز القوة، وتتراجع فيه قدرة أي طرف على احتكار النفوذ.

‏الملك لا يذهب إلى بكين بظهره إلى واشنطن وإنما بعين على مستقبل الأردن. فالولايات المتحدة شريك استراتيجي وأوروبا شريك سياسي واقتصادي والخليج عمق عربي والصين قوة عالمية صاعدة لا يمكن أن تبقى خارج الحسابات الأردنية.

‏المعادلة ليست شرقاً أو غرباً المعادلة هي كيف يحوّل الأردن تعدد مراكز القوة إلى تعدد في الخيارات وهنا تكمن قيمة الصين

‏فالصين ليست سوقاً ضخمة ومصدراً للسلع والاستثمارات فحسب إنهاقوةصناعيةوتكنولوجية ومالية وحضورها في الشرق الأوسط يتسع وإذا أحسن الأردن إدارة العلاقة معها يمكن أن تنتقل من تجارة تقليدية إلى شراكة في الإنتاج والتكنولوجيا والأسواق.

‏لذلك يجب أن يتغير السؤال بدلاً من ماذا يمكن أن نشتري من الصين؟يصبح السؤال ماذا يمكن أن ننتج معها؟

‏مصانع تكنولوجياتدريب سلاسل توريد استثمارات وصادرات.

‏فالأردن لا يحتاج إلى اتفاقيات جديدة تضاف إلى الأرشيف بقدر حاجته إلى نتائج تظهر في الاقتصاد.

‏وهنا تظهر قيمة الأردن نفسه

‏المملكة تملك موقعاً يربط الخليج بالعراق وبلاد الشام والبحر الأحمر وتملك العقبة والاستقرار السياسي، وشبكة واسعة من العلاقات الإقليمية. وهذه ليست مزايا جغرافية فقط يمكن تحويلها إلى أصول اقتصادية إذا أصبحت العقبة منصة صناعية ولوجستية حقيقية وإذا ارتبط الأردن بشبكات النقل والطاقة والأسواق الإقليمية.

‏لكن الموقع وحده لا يصنع مركزاً اقتصادياً. المستثمر يريد تشريعات مستقرةوطاقة تنافسية وإدارة سريعة وبنية تحتية وقوة بشرية مؤهلة.

‏الصين تستطيع أن تأتي برأس المال والتكنولوجيا لكنها لا تستطيع أن تنجز الإصلاح الأردني بالنيابة عن الأردنيين.

‏ولهذا فإن الشراكة معها ليست اختباراً لبكين فقط إنها اختبار لقدرة عمّان على استثمار الفرصة.

‏إذا عاد الملك باتفاقيات كثيرة فذلك جيد لكن إذا عاد الأردن بمصانع واستثمارات وتكنولوجيا ووظائف وشركات أردنية مرتبطة بسلاسل الإنتاج العالمية فذلك هو الإنجاز الحقيقي.

‏المعيار ليس ما يُوقّع في بكين بل ما يتغير في عمّان.

‏أما اختزال التحرك الأردني في الاستدارة شرقاًفيفترض أن العالم ما يزال مقسوماً إلى معسكرين. الواقع أكثر تعقيداًدول الخليج تنوع شراكاتها والهند تصعد والصين تتوسع وأوروبا تعيد حساباتها والولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها.

‏في هذا العالم لا تحتاج الدولة الصغيرة إلى قوة الكبار بقدر حاجتها إلى مرونة الحركة وحسن استخدام موقعها وتعدد شراكاتها.

‏وهذا ليس خروجاً من الغرب ولا دخولاً في محور شرقي إنه خروج من منطق الاصطفاف نفسه.

‏فكلما تنوعت الأسواق والاستثمارات والشراكات التكنولوجيةاتسع هامش القرار الأردني وقلت مخاطر الارتهان.

‏لهذا يجب أن يكون الانفتاح على الصين جزءاً من سياسة أوسع علاقات متوازنة مع واشنطن وأوروبا والخليج وآسيا، قوامها المصلحة الوطنية لا الاصطفاف.

‏والأهم أن السياسة الخارجية يجب أن تتحول إلى مكاسب داخلية.

‏إذا أردنا الصناعة فلنهيئ بيئتها. وإذا أردنا التكنولوجيا فلنستثمر في الإنسان. وإذا أردنا الاستثمار فلنخفض كلفة البيروقراطية. وإذا أردنا للعقبة أن تكون بوابةإقليمية فلنربطها بالطرق والطاقةوالأسواق.

‏فالملك يستطيع أن يفتح الأبواب السياسية في بكين لكن الدولة هي التي يجب أن تدخل منها بمشاريع واضحة.

‏وهنا السؤال الحاسم

‏هل ينتقل الأردن من دولة تبحث عن الفرصة إلى دولة تصنعها؟

‏إذا حدث ذلك تصبح زيارة الصين أكثر من زيارة ناجحةتصبح خطوة في إعادة بناء موقع الأردن الاقتصادي والاستراتيجي.

‏أما إذا بقيت في حدود البيانات والاتفاقيات فستظل مهمةلكنها لن تكون تحولاً.

‏الأردن لا يحتاج إلى أن يدير ظهره للغرب كي يفتح نافذة على الصين ولا إلى أن يرفع شعار الشرق كي يحافظ على علاقاته بالغرب.

‏يحتاج فقط إلى أن يضع مصلحته الوطنية فوق فكرة الاصطفاف.

‏فالاستدارة الحقيقية ليست من الغرب إلى الشرق.

‏إنها من الاعتماد إلى الشراكة ومن انتظار الفرص إلى صناعتهاومن ضيق الخيارات إلى حرية الحركة.

‏البوصلة الأردنية لا تتغير.

‏الأردن أولاًالذي يتغير هو مساحة الحركة حولها.

‏وهذا هو المعنى الأعمق لزيارة الملك إلى الصين

‏الأردن لا يستدير شرقا الأردن يستعيد حقه في صناعة الخيارات.

‏وفي عالم يتغير بسرعةقد يكون امتلاك الخيارات هو الشكل الأكثر واقعية للاستقلال.