بقلم : الناشة فاطمة ابودلو
وكالة محليات الاخباري – عمان – في كل مرة تتفاقم فيها مشكلة حقيقية تمس حياة الناس، يبدو أن النقاش العام يجد طريقه، بطريقة أو بأخرى، إلى قضية الكلاب. تتكرر الصور والأخبار والمقاطع، وتتحول الكلاب الموجودة في الشوارع إلى مادة يومية للنقاش، حتى يكاد المتابع يشعر أن واحدة من أكبر أزمات البلد تكمن في حيوان يتجول في شارع أو حي.
المشكلة ليست في مناقشة ملف الكلاب بحد ذاته. فمن حق المجتمع أن يطالب بمعالجة ظاهرة الكلاب الضالة، خصوصًا عندما ترتبط بحوادث أو مخاطر على المواطنين. كما أن حماية الناس والحيوانات معًا مسؤولية تستوجب حلولًا قانونية وإنسانية ومنظمة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القضية إلى عنوان دائم يطغى على بقية القضايا، وكأنها أصبحت تفسيرًا جاهزًا لكل ما يزعج المجتمع.
هناك ملفات أكثر تعقيدًا وإلحاحًا: البطالة، الفقر، ارتفاع تكاليف المعيشة، تراجع بعض الخدمات، ضعف الفرص أمام الشباب، والمشكلات الاجتماعية والأمنية التي تحتاج إلى سياسات طويلة الأمد، وقرارات جادة، ومساءلة واضحة. هذه الملفات لا يمكن حلها بمقطع فيديو أو تصريح عابر؛ لأنها تتطلب عملًا مؤسسيًا وموازنات وخططًا ونتائج يمكن قياسها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نتحدث عن الكلاب؟ بل: لماذا نمنح هذه القضية أحيانًا مساحة أكبر بكثير من حجمها، بينما تتراجع القضايا التي تمس حياة المواطن اليومية إلى الصفوف الخلفية؟
الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بطبيعتهما يبحثان عن الموضوع القادر على جذب الانتباه. ومشهد كلب في الشارع، أو حادثة مثيرة للجدل، أسهل بكثير في الانتشار من تقرير طويل عن البطالة أو دراسة تبحث في أسباب الفقر أو تقييم لأداء الخدمات العامة. لكن سهولة صناعة المحتوى لا تعني أن القضية هي الأهم.
المواطن الذي يبحث عن فرصة عمل، أو يعاني من ارتفاع الأسعار، أو ينتظر خدمة عامة أفضل، لا يحتاج إلى معركة إعلامية جديدة كل يوم؛ بل يحتاج إلى حلول يشعر بنتائجها في حياته. والشاب الذي أنهكته البطالة لا يمكن إقناعه بأن المشكلة الأساسية في حياته هي كلب مرّ من أمام منزله.
وفي المقابل، من الخطأ أيضًا التقليل من مخاوف المواطنين المتعلقة بالكلاب الضالة. فهناك حوادث ومخاطر حقيقية، ولا يجوز تجاهلها أو السخرية من أصحابها. لكن الحل المسؤول لا يكون بتحويل الحيوان إلى عدو دائم، ولا بجعل القضية مادة للاستقطاب، وإنما بوضع سياسة واضحة للتعامل مع الظاهرة، تشمل ضبط التكاثر، والتعامل مع الكلاب الموجودة في الشوارع، ومراقبة مصادر انتشارها، وحماية المواطنين، وفق القانون والمعايير الإنسانية.
المطلوب إذن ليس إسكات الحديث عن الكلاب، وإنما إعادة كل قضية إلى حجمها الطبيعي.
فالدولة القادرة على معالجة مشكلة الكلاب يجب أن تكون قادرة أيضًا على معالجة البطالة والفقر وتراجع الخدمات. والإعلام المسؤول يستطيع أن يناقش حادثة كلب، وفي الوقت نفسه يسأل عن أرقام البطالة، وجودة الخدمات، وأسباب ارتفاع الأسعار، ومدى فاعلية السياسات الحكومية.
أما أن تصبح الكلاب عنوانًا ثابتًا كلما احتاج المشهد العام إلى موضوع جديد، بينما تبقى الملفات الثقيلة بلا حلول ملموسة، فهنا يصبح من حق المواطن أن يسأل: هل نعالج المشكلة فعلًا، أم أننا نكتفي بإدارة الانتباه إليها؟
في النهاية، الكلب ليس مسؤولًا عن البطالة، ولا عن الفقر، ولا عن تراجع الخدمات، ولا عن الأزمات الاجتماعية. وتحويله إلى شماعة لن يحل أيًا من هذه المشكلات.
المواطن لا يريد أن يرى معركته اليومية تُختصر في كلب يمشي في الشارع. يريد أن يرى عملًا، وخدمات أفضل، وأمانًا، وفرصًا، وحلولًا حقيقية.
لأن الأزمات الحقيقية لا تختفي عندما نغيّر موضوع الحديث عنها.
#فاطمة ابودلو















