الملكاوي يكتب … الطالب حمزة الملكاوي: حين يرفع اسمَ الأردن عالياً، وتصل الحكاية من ملكا إلى جامعة جونز هوبكنز

الملكاوي يكتب … الطالب حمزة الملكاوي: حين يرفع اسمَ الأردن عالياً، وتصل الحكاية من ملكا إلى جامعة جونز هوبكنز

 بقلم : المستشار محمد صالح الملكاوي

وكالة  محليات  الاخباري – عمان –  من الأردن، وبالتحديد من بلدة ملكا في أقصى شمال المملكة، إلى واحدةٍ من أرقى الجامعات الأمريكية، قطع الطالب حمزة فادي محمد السليم الملكاوي مسافةً في جيناته وعقله وقلبه ووجدانه وأردنيته وملكاويته تتجاوز الجغرافيا؛ فقد حقق بنبوغه (الأردني – الملكاوي) العلامة الكاملة 36 من 36 في اختبار ACT (وهو اختبار القبول الجامعي المعياري في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي تستخدمه الجامعات الأمريكية للمساعدة في تقييم جاهزية الطالب للدراسة في الجامعة)، وهو إنجاز وضعه بين نخبة الطلبة في ولاية نبراسكا، وفتح أمامه الطريق إلى جامعة جونز هوبكنز الأمريكية، التي تُعتبر من أبرز الجامعات البحثية في العالم، والتي تمنحه فرصة لصقل قدراته والمُشاركة في البحث والابتكار وبناء مستقبل أكاديمي ومهني على مستوى دولي.

وحمزة ليس مجرد طالب (أردني – ملكاوي) حصل على علامة كاملة في اختبار جامعي أمريكي؛ لأن العلامة الكاملة هنا هي عنوان لمسيرةٍ من الانضباط والطموح والمثابرة والإيمان بأن العِلم هو أقصر الطُرق إلى صناعة المُستقبل. وقد استطاع (حمزة) خلال دراسته الثانوية في الولايات المتحدة أن يُثبت أن الأردني عندما تتاح له الفُرصة، ويملك الإرادة، ويجد البيئة التي تحتضن طموحه، فهو قادر على أن ينافس ويتفوق في أعلى المستويات العالمية، وفي مقدمتها المستويات الأمريكية.

والأجمل في قصة الطالب حمزة (الأردني – الملكاوي) أنها لم تتوقف عند الرقم 36، فقد حظي بتقدير رسمي وأكاديمي أمريكي في ولاية نبراسكا، وتلقى رسالة تهنئة من عضو الكونغرس الأمريكي عن الولاية دون باكون، كما حظي بتكريم أكاديمي ومنحة رئاسية كاملة من جامعة نبراسكا، شملت الرسوم الدراسية والسكن والمأكل، إضافة إلى فرصة المشاركة في البحث العلمي والحصول على راتب سنوي، كما شارك في حفل تكريم المتفوقين الذي أقامه حاكم الولاية.

واختيار حمزة (الأردني – الملكاوي) مواصلة دراسته الجامعية في جامعة جون هوبكنز العريقة ليس مجرد انتقال من جامعة إلى أخرى، وإنما انتقال إلى مستوى جديد من التحدي العلمي، وإلى فضاء أكاديمي عالمي يفترض في الطالب أن يُحافظ على ما حققه وأن يضيف إليه، والأهم بالنسبة لنا كأردنيين أن يدخل حمزة (الأردني – الملكاوي) هذا الفضاء وهو يحمل في ذاكرته اسماً أردنياً وملكاوياً، وأن يعرف أن وراء هذا الاسم وطناً صغيراً في المساحة، ولكنه كبيراً في الطموح الهاشمي – الأردني، وأن وراءه عائلة ملكاوية وبلدة وديعة ووداعه، تقف بشموخ أردني على أكتاف جبال ملكا والمنصورة وأم قيس، وتجاور هذه البلدة وادي الأردن في بلدتي المخيبة، وتلامس بالجيرة والمحبة أراضي الكفارات وبني كِنانة وبلدات إبدر وحاتم وسما، التي لا زالت تحتضن في بعض ترابها الأحمر الزيتون الروماني العتيق العريق، مثلما تفوح من ملكا أيضاً الرائحة الزكية لدماء شهداء معركة اليرموك، الذين تجحفلوا في منطقة الجحافل في ملكا، قبل أن يُحققوا النصر في تلك المعركة التي رفعت الظُلم الروماني حينذاك عن العرب في كافة دول ومناطق بلاد الشام.

 ولأنني أعمل في هذه المرحلة على تجميع المعلومات والوثائق الخاصة بمشروع “السردية الملكاوية”، باعتبارها جزءاً من “السردية الأردنية” الجامعة، فإني أرى في قصة حمزة (الأردني – الملكاوي) أنموذجاً حياً لما يمكن أن تكون عليه هاتين السرديتين الملكاوية والأردنية. لأن السردية ليست فقط ذِكرُ الماضي بكل عراقته، ولا مُجرّد صور الأجداد والآباء الأوائل، وعرض الوثائق التي نحتفظ بها في الأرشيف؛ بل هي أيضاً أبناء اليوم الذين يصنعون مُستقبل الغد الأردني المُشرق من النافذة الملكاوية، و (حمزة) هو أحد الذين يصوغوا بعض صفحات السردية الأردنية والسردية الملكاوي، بِعلمِه وعمله ونجاحه.

إنه فصلٌ جديد في حكاية بلدة ملكا، ولكنه في الوقت نفسه فصل جديدٌ أيضاً في الحكاية الأردنية؛ فكما يعتز الملكاوي بأن يرى أبناء بلدته في ميادين الشرف والبطولة في القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية، وقد عشناها وعايشناها عن قُرب لأن كل بيتٍ ملكاوي يعتز بأن فيه جُندياً أردنياً أو رجل أمنٍ واحد على الأقل، وفي مقدمتهم معالي الباشا محمد يوسف الملكاوي رئيس هيئة الأركان الأسبق، وكذلك في قطاعات الطب والصحة والهندسة والتعليم والقانون والإعلام والعمل العام وغيرها على الأقل، فإنه يعتز أيضاً بأن يرى أحد أبنائها يدخل بوابة مؤسسة أكاديمية عالمية عريقة بحجم جامعة جونز هوبكنز، وهنا تكمن قيمة الإنجاز الحقيقية: بأن يتحوّل اسم ملكا من اسم مكانٍ، إلى اسم يرتبط بالعِلم والكفاءة والإنجاز أردنياً وعربياً وعالمياً.

وبهذا يُمكنني القول بأن بلدتي أم قيس والمنصورة والمناطق والأحياء في ملكا: الحُجاج وأمّ الجِرنة، ودار الباشا، ودوير الريح، وأمّ الخير، والفقيرة والمظلومة، ودِم الصِرار، وبلد الشيخ، وعاوية، والسهل الجواني، وحتى منطقة جبل القُلّة، وعين النسوان، وعين السُكر، وعين خليفة، وكل جبال وأودية ملكا وصولاً إلى “بركة العرايس” المجاورة للحمّة الأردنية، ونهر اليرموك، تضع أوسمة فخارٍ لكل إنجازٍ (ملكاوي – أردني)، باعتباره إنجازاً يفخر به كُلّ الأردنيين من بلدة عقربا جارة سوريا واليرموك، إلى مدنية العقبة، ثغر الأردن الصامد الباسم، وجارة البحر الأحمر، الذي تلامس مياهه طيف الإيمان والسلام القادم من بيت الله الحرام في مكة المُكرّمة.

إن حمزة (الأردني – الملكاوي) يقدم أنموذجاً يستحق أن نتوقف عنده: حيث لا يحتاج الأردني إلى أن يكون في الأردن حتى يخدم وطنه، وأن يُقدم السلام الأردني بأبهى الصور؛ حيث يمكنه أن يكون في أمريكا أو أوروبا أو آسيا أو أستراليا، وفي الصين وروسيا والهند وفي دول الخليج العربي، وغيرها من دول العالم، وفي أرقى الجامعات والمراكز البحثية، وأن يرفع اسم الأردن، مثلما يرفع علم الأردن، من خلال عِلمه وعَمله وسلوكه وإنجازه، وهذا تحديداً ما أؤمن به في مفهوم المُغترب الأردني باعتباره جزءاً حياً من السردية الأردنية في الفضاء الدولي، فالمغترب لا يحمل جواز سفر أردنياً فقط؛ بل إنه يحمل معه صورة وطنه، وثقافته، وقيمه، وأخلاقه، وقدرته على النجاح، وإحلال السلام.

ومن هنا، فإنني أتمنى أن تكون قصة حمزة (الأردني – الملكاوي) رسالة إلى آلاف الشباب الأردنيين: تقول لهم: لا تجعلوا حدود المكان تُحدد حدود الطموح، فالعالم مفتوح أمام من يمتلك العِلم والإرادة، كما أن الجامعة العالمية العريقة مثل جامعة جونز هوبكنز ليست حُلماً مستحيلاً، والمنافسة الدولية ليست حِكراً على أبناء الدول الكبرى.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يمكن أن نحتفي بتفوّق الطالب وتميّزه، وننسى الأسرة التي وقفت خلفه، فنجاح الأبناء غالباً ما يكون وراءه آباء وأمهات عظام آمنوا بأبنائهم، وقدموا لهم الدعم والتوجيه، وتحمّلوا سنوات الدراسة والتحديات، والانتقال بين البيئات والثقافات. ومن هنا أوجه تحية خاصة إلى الدكتور المهندس فادي الملكاوي وزوجته، والديّ حمزة، اللذين كانا إلى جانب ابنهما في هذه الرحلة العلمية، وإلى الأسرة والعائلة والعشيرة الملكاوية، التي أدركت أن الاستثمار الحقيقي ليس في المال وحده، وإنما في بناء الإنسان وعقله وطموحه وتعليمه وتمكينه من صناعة مستقبله.

وأقول لحمزة: إن الـــ 36 من 36 ليست نهاية الطريق، بل هي أول رقم في سلسلة طويلة من الإنجازات التي ننتظرها منك، فجامعة جونز هوبكنز ليست محطة وصول، وإنما محطة انطلاق نحو آفاق أوسع، ونريد أن نراك باحثاً ومُبدعاً وصاحب أثر، وأن نراك يوماً تحمل إنجازاً علمياً يضاف إلى رصيد الأردن وإلى رصيد بلدتك وأهلك في ملكا، وأن تظل، أينما وصلت، مُعتزاً بأنك نشمي أردني وملكاوي وعربي ومُسلم، لأننا نعلم أن جنسيتك الأردنية لن تتغيّر ولن تتبدل، وأنك سترفع علمك الأردنية، وكوفيتك الأردنية الحمراء، وطموح وطنك أبد الدهر.

يا حمزة (الأردني – الملكاوي): عندما تدخل قاعات جامعة جونز هوبكنز، تذكّر أنك لا تحمل اسمك وحدك أو اسم أبيك واسم أسرتك وعشيرتك، بل إنك تحمل إسم الأردن، الذين نفخر به، فهو وطن الهاشميين ووطن الأردنيين، الذين بدأوا بقوة مئوية الدولة الأردنية الثانية، التي قُمت بوضع اسمك بفخر في فصل من فصول سرديتها الأردنية. 

 وأخيراً أقول: من ملكا في الأردن إلى نبراسكا في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن 36 من 36 إلى جامعة جونز هوبكنز الأمريكية العريقة، من هُنا بدأت حكاية (أردني – ملكاوي) اسمه حمزة، تستحق أن تُروى؛ لأننا نؤمن بأن سهول وغابات وقِلاع وحصون الشمال، التي تملؤها دفاتر حكايات الكرامة والدحنون والأقحوان في إربد وجرش وعجلون، وقِمم جبال البلقاء الشامخة وبهائها وعنفوانها، وعراقة البتراء والحروف العربية الأولى التي خطّها أجدادنا الأردنيين الأوائل، ومدُن التسامح والمحبة في السلط ومأدبا والكرك، والأصالة الأردنية الطيّبة في الطفيلة ومعان والعقبة، والبوادي الأردنية التي تحمل الشهامة والفروسية شمالاً وجنوباً ووسطاً، وعلى أطرافها مدينتي المفرق والزرقاء، وإلى جانبهما العاصمة عمّان التي تحتضنّ كل الأردنيين ومعهم الأشقاء والأصدقاء من الدول العربية والعالمية، تستحق (هذه الدولة) أن تُروى ليس فقط في السردية الخاصة بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية، بل في سرديات كُل جامعات وكلّيات العالم، لأن وطناً أردنياً بحجم قادة الهاشميين وفي مقدمتهم عميد آل البيت جلالة الملك عبدالله الثاني، وإلى جانبه فارس شباب الأردن سمو الأمير الحُسين بن عبدالله الثاني، ومعهما الشعب الأردني الأصيل، هو وطنٌ وُجِدَ ليبقى وليستمر، أيقونة للسلام والأمن والأمان والإنجاز والعطاء في كلّ بقاع ودول العالم، رغم كل المخاطر والتحديات والعقبات.

مبروك للطالب حمزة (الأردني – الملكاوي)، ومبروك للأردن هذا الإنجاز، ومبروك للعرب والعروبة أن (أردنياً ملكاوياً) وضع بصمة يفخر بها الجميع على الأرض الأمريكية.