السخني تكتب … تقاطع المخرجات التعليمية مع احتياجات القطاع الخاص الحلقة المفقودة في التخطيط

السخني تكتب … تقاطع المخرجات التعليمية مع احتياجات القطاع الخاص الحلقة المفقودة في التخطيط

 

بقلم : سارة السخني

وكالة محليات الاخباري – عمان – تستمر الفجوة بين ما تنتجه المؤسسات التعليمية وما يطلبه سوق العمل اليوم في الاتساع، لتشكل إحدى أكبر العقبات أمام التنمية الاقتصادية واستقرار الشباب. وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في محافظات كبرى مثل إربد؛ التي تُعد صرحاً أكاديمياً يضم عشرات الآلاف من الطلبة في جامعات عريقة كجامعة اليرموك والعلوم والتكنولوجيا وإربد الأهلية وغيرها، حيث يخرج سنوياً آلاف الشباب الحاملين للشهادات العليا، ليصطدموا بركود السوق وافتقارهم لمهارات عملانية مطلوبة مباشرة.

إن الأزمة اليوم لا تكمن في قلة الكوادر أو ضعف شغف الشباب، بل في آلية التخطيط وغياب الرابط بين قاعات الدراسة وميادين الإنتاج.

أبعاد الخلل بين التعليم والعمل

معضلة “شرط الخبرة” المسبقة: يواجه الخريج الجديد حلقة مفرغة معقدة؛ إذ تطلب معظم مؤسسات القطاع الخاص خبرات عملية سابقة لغايات التوظيف، بينما يتساءل الشاب بمرارة: كيف يمكن اكتساب الخبرة دون فرصة عمل أولى؟ وكيف يُتاح العمل والشرط الأساسي هو الخبرة؟ هذا الشرط المستحيل يُغلق الأبواب أمام الكفاءات الشابة ويضعهم في مواجهة حائط مسدود فور تخرجهم.

الجمود الأكاديمي: تعتمد الخطط الدراسية في معظم الكليات والمعاهد على المناهج النظرية والتلقين، وتغرق في الجانب الأكاديمي على حساب التطبيق الميداني والمهارات الحقيقية التي يتطلبها سوق العمل المتغير.

غياب التنسيق المباشر: تُصاغ البرامج التعليمية بمعزل عن ممثلي القطاعات الصناعية والتجارية والخدمية في المحافظة، مما ينتج خريجين يفتقرون للمهارات الأساسية كحل المشكلات، والتفكير النقدي، والتعامل مع التكنولوجيا الحديثة.

استمرار التخصصات المشبعة: يواصل النظام التعليمي ضخ أعداد كبيرة من الطلاب في تخصصات راكدة، دون الاعتماد على دراسات واقعية تستشرف احتياجات السوق الفعلية على المدى المتوسط والطويل.

تداعيات غياب التخطيط على الشباب والاقتصاد المحلي

يؤدي هذا التباين إلى استنزاف طاقات الشباب الذين يجدون أنفسهم بعد سنوات الدراسة أمام طوابير البطالة في المحافظات، أو يضطرون للهجرة نحو العاصمة أو الخارج بحثاً عن فرصة عمل. وفي المقابل، يتحمل القطاع الخاص والمؤسسات المحلية تكاليف مالية وزمنية باهظة لإعادة تدريب الموظفين الجدد وتأهيلهم من الصفر، مما يضعف الإنتاجية العامة ويحد من فرص النمو الاقتصادي المحلي.

خطوات عملية لتجسير الفجوة وحل عقدة الخبرة

إن معالجة هذا الملف تتطلب الانتقال من السياسات التقليدية إلى خطوات تشاركية حقيقية:

كسر معضلة الخبرة عبر برامج التجسير: إدماج سنة تدريبية مدفوعة أو مدعومة حكومياً بالتعاون مع القطاع الخاص للطلاب قبل التخرج، لاحتسابها كخبرة عملية رسمية تُعفي الخريج من شرط الخبرة التعجيزي.

إيجاد شراكة ملزمة: تشكيل مجالس مشتركة تجمع مؤسسات التعليم العالي وغرف التجارة والصناعة في المحافظة، لإعادة مراجعة وتحديث المناهج بشكل دوري بناءً على حركة السوق.

تطوير التدريب الميداني: تحويل التدريب العملي إلى متطلب رئيسي ومقيم بالتعاون مع الشركات والمنشآت الاقتصادية، لضمان معايشة الطالب لبيئة العمل الفعلية قبل التخرج.

دعم التعليم التقني والمهني: إعادة الاعتبار للتخصصات الفنية والتطبيقية وتوفير الدعم اللازم لها، لتلبية الطلب المباشر على العمالة الماهرة والمدربة.

توجيه القبول الجامعي: ضبط أعداد المقبولين في التخصصات الراكدة، والتركيز على المجالات التي تمتلك فرص نمو حقيقية.

إن ربط مخرجات التعليم باحتياجات القطاع الخاص وفتح المجال أمام الخريجين الجدد لاكتساب خبرتهم الأولى لم يعد مجرد خطة إدارية، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية تستدعي قرارات جادة لتوسيع آفاق الشباب واستثمار طاقاتهم بالشكل الصحيح.

 سارة السخني

باحثة وناشطة اجتماعية