بقلم : الناشطة فاطمة ابودلو
وكالة محليات الاخباري – عمان – المشهد يتكرر كثيرًا: حيوان يُعذَّب، يُضرب، يُحرق، يُقتل أو يُترك يتألم، بينما يقف الإنسان الذي فعل ذلك أمام معاناة كائن أضعف منه بكثير، من دون أن يشعر بأن هناك شيئًا يستحق التوقف عنده.
وهنا لا تعود القضية قضية حيوان فقط.
القسوة على الحيوان تكشف شيئًا أعمق في الإنسان والمجتمع. فالشخص الذي يجد متعة في تعذيب كائن عاجز، أو يتعامل مع ألمه باعتباره وسيلة للترفيه أو الاستعراض، يمارس سلوكًا يستحق التوقف عنده، لا التجاهل والتبرير.
ليس كل من يؤذي حيوانًا شخصًا مصابًا باضطراب نفسي، وليس صحيحًا أن كل طفل يعذب حيوانًا سيصبح قاتلًا عندما يكبر. لكن العنف المتكرر والمتعمد تجاه الحيوانات، خصوصًا عندما يقترن بالاستمتاع بالألم أو غياب التعاطف، سلوك خطير يستحق التدخل والتربية والتقييم النفسي عند الحاجة، بدل أن يمر باعتباره «شقاوة» أو «تصرف أطفال».
المشكلة الأكبر أننا أحيانًا نضحك أمام طفل وهو يؤذي حيوانًا.
نصور المشهد.
ننشره.
نعتبره مضحكًا.
وقد نطلق عليه عبارات من نوع: «اتركه، إنه طفل».
لكن الطفل يتعلم من ردود أفعالنا أكثر مما يتعلم من محاضراتنا. عندما يرى أن إيذاء كائن أضعف منه يجلب الضحك والإعجاب والاهتمام، فقد يتعلم أن الألم يمكن أن يكون وسيلة للترفيه، وأن الأضعف لا يستحق الحماية.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لأن المجتمع الذي يستهين بالعنف الصغير قد يكتشف لاحقًا أنه كان يربي ثقافة أكبر من العنف.
الحيوان لا يستطيع أن يقف أمامنا ليقول: «لماذا فعلت هذا؟»
لا يستطيع أن يذهب إلى الشرطة.
لا يستطيع أن يرفع قضية.
لا يستطيع أن يشرح لأحد حجم الألم الذي يشعر به.
ولهذا تحديدًا تصبح مسؤوليتنا أكبر.
القوة ليست في أن تكون قادرًا على إيذاء من هو أضعف منك. القوة الحقيقية أن تكون قادرًا على ذلك، ثم تختار الرحمة.
ومن المؤلم أن نرى في بعض مجتمعاتنا سباقًا غريبًا نحو القسوة؛ مقاطع لتعذيب الحيوانات، أطفال يضربونها، أشخاص يتفاخرون بإيذائها، وآخرون يشاهدون ويضحكون وكأن الألم الذي أمامهم ليس ألمًا حقيقيًا.
إذا كنا نريد مجتمعًا أكثر إنسانية، فعلينا أن نتوقف عن التعامل مع الرحمة باعتبارها ضعفًا.
الطفل الذي يتعلم أن الحيوان كائن يشعر بالجوع والخوف والألم، وأن إيذاءه ليس لعبة، يتعلم في الوقت نفسه درسًا أكبر: أن القوة لا تمنح صاحبها الحق في سحق الضعيف.
أما الطفل الذي يتعلم أن التعذيب مضحك، وأن الكائن الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه مجرد لعبة، فيحتاج إلى تدخل الكبار وتصحيح هذا السلوك، لا إلى التصفيق له أو تجاهله.
والأمر لا يتعلق بالحيوانات وحدها.
فطريقة تعامل الإنسان مع الكائن الأضعف منه تقول الكثير عن مفهومه للقوة والرحمة والمسؤولية.
لهذا، قبل أن نسأل: «لماذا أصبح الناس أكثر قسوة؟»، ربما علينا أن نسأل سؤالًا أبسط:
ماذا علمنا أطفالنا عن الرحمة؟
وماذا نفعل عندما نرى شخصًا يعذب مخلوقًا لا يستطيع الدفاع عن نفسه؟
هل نوقفه؟
أم نصور المشهد؟
هل نغضب؟
أم نضحك؟
هل نعلم الطفل أن الرحمة مسؤولية؟
أم نتركه يكتشف وحده أن الألم يمكن أن يكون لعبة؟
ربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من الأشخاص الذين يستطيعون إيذاء الآخرين.
إنه يحتاج إلى أشخاص يمتلكون القدرة على الأذى، لكنهم يختارون ألا يستخدموها.
ففي النهاية، الإنسانية لا تُقاس بالطريقة التي نتعامل بها مع من يستطيع الرد علينا، وإنما بالطريقة التي نتعامل بها مع من لا يستطيع.
#فاطمة ابودلو















