بقلم : المحلل الأمني د. بشير الدعجه
وكالة محليات الاخباري – عمان – السؤال الذي يفرض نفسه اليوم… لماذا أصبحت دائرة المخابرات العامة تحديدًا هدفًا لحملات متكررة من التشويه والتشكيك… ولماذا يجري التركيز على ضباطها ورموزها ومحاولة ضرب صورتهم أمام المواطن؟… ولماذا تلجأ بعض الجهات التي تقدم نفسها باعتبارها «معارضة خارجية» إلى توظيف منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي لإنتاج روايات ومقاطع وصور تستهدف المؤسسة؟…
الإجابة برأيي تبدأ من طبيعة الدائرة نفسها… فالمخابرات العامة مؤسسة أمنية تعمل في مساحة يغلب عليها السرية… ولا تستطيع أن تكشف للمواطن كل ما تعرفه أو كل ما تقوم به… وهذا تحديدًا ما يمكن أن تستغله حملات التضليل… إذ يجري ملء المساحة التي لا تستطيع المؤسسة الحديث فيها بروايات وشائعات وتأويلات وصور ومقاطع مجتزأة…
المعركة هنا ليست على مبنى أو اسم أو ضابط… وإنما على الثقة… لأن ضرب ثقة المواطن بالمؤسسة الأمنية يعني محاولة ضرب واحدة من أهم أدوات الأمن الوطني… فالمواطن الذي يشك في المؤسسة قد يشك في معلوماتها… ثم في بياناتها… ثم في قدرتها… وهنا تنتقل الحملة من التشويه الإعلامي إلى محاولة إحداث فجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة…
والأخطر أن أدوات هذه الحملات تغيرت… فلم تعد تعتمد فقط على المقال أو المنشور… بل دخل إليها الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق… صورة مصطنعة… صوت مقلد… فيديو مركب… وثيقة بلا دليل..أو قصة يعاد تدويرها من عشرات الحسابات حتى تبدو وكأنها حقيقة… وقد أصبح الأردن نفسه يناقش رسميًا مخاطر الحسابات الوهمية والتزييف العميق واستخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل والتأثير في الرأي العام…
لماذا المخابرات بالذات؟… لأنها في الوعي الوطني تمثل خط الدفاع المتقدم عن الأمن الوطني… واستهداف صورتها يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من استهداف مؤسسة أخرى… فإذا نجحت حملة ما في إقناع المواطن بأن المؤسسة الأمنية لا تستحق الثقة… فإنها لا تكون قد استهدفت المؤسسة وحدها… وإنما تكون قد حاولت التأثير في علاقة المواطن بمنظومة الدولة كلها…
أما التركيز على الضباط… فهو جزء من المعركة نفسها… لأن تشويه صورة الشخص أسهل من تفكيك مؤسسة كاملة… صورة قديمة… مقطع مجتزأ… تعليق مجهول… اتهام بلا وثيقة… ثم إعادة نشر متكررة… حتى يصبح التكرار بديلاً عن الدليل…
وهنا يجب أن يكون المواطن أكثر وعيًا من أي حملة إلكترونية… لا أن يصدق الرواية الرسمية لمجرد أنها رسمية… ولا أن يصدق رواية الحسابات الخارجية لمجرد أنها معارضة… وإنما يسأل دائمًا… أين الدليل؟… من المصدر؟… هل المادة أصلية؟… هل هناك جهة مستقلة تؤكدها؟…
فالخطورة اليوم ليست في أن يصدق المواطن كل ما ينشره هؤلاء… وإنما أن يصل إلى مرحلة لا يثق فيها بأي شيء… وعندما تصبح الحقيقة والكذب متساويين في ذهن الجمهور… تكون حملات التضليل قد حققت أخطر أهدافها…
ولهذا فإن معركة المخابرات العامة اليوم ليست فقط مع من يهاجمها… وإنما مع الرواية الكاذبة التي تحاول أن تحل محل الحقيقة… ومع محاولات تحويل النقد إلى تشويه… والسياسة إلى تحريض… والذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى أداة لصناعة وقائع لم تحدث…
وفي النهاية… لا أحد فوق النقد… ولكن لا أحد أيضًا يجب أن يكون تحت الاتهام بلا دليل… ومن يريد محاسبة مؤسسة أو انتقاد ضابط أو مناقشة أداء… فليقدم وثيقته وحجته… أما الفبركة والتزييف والاجتزاء والتشهير… فلا تصنع معارضة سياسية… وإنما تصنع تضليلًا يستهدف وعي المواطن قبل أن يستهدف المؤسسة…
ولهذا… فإن السؤال الحقيقي ليس فقط لماذا يهاجمون المخابرات العامة؟… بل لماذا يريدون ضرب ثقة المواطن بها الآن؟… والجواب يبدأ من إدراك أن الثقة في الأمن الوطني ليست تفصيلًا إعلاميًا… وإنما جزء من قوة الدولة نفسها…وللحديث بقية.
#د. بشير _الدعجه















