أمل خضر
وكالة محليات الاخباري – عمان – في الخامس من تشرين الأول، لا يليق بالعالم أن يكتفي بالاحتفال بالمعلم، بل يليق به أن يتوقف أمامه وقفة تقدير تليق بمن يقف كل صباح أمام المستقبل نفسه.
فالمعلم لا يدخل الصف وفي يده كتاب فقط، بل يدخل وفي يده أعمار لم تكتمل، وعقول لم تُكتشف بعد، وأحلام تبحث عمن يؤمن بها. كلمته قد توقظ موهبة، وسؤاله قد يفتح عقلًا، وموقفه قد يترك أثرًا يمتد مع الإنسان طوال حياته.
ولذلك، فالتعليم ليس مجرد نقل لما نعرف، بل هو إسهام في بناء جيل سيعرف ويفكر ويقرر ويبني بعدنا.
الماء للحياة، والهواء لاستمرارها، والشمس لنورها، أما المعلم فهو أحد أهم مفاتيح انتقال الإنسان من مجرد البقاء إلى البناء والحضارة. فهو لا يسهم في صناعة طالب متفوق فحسب، بل يشارك في تشكيل الإنسان الذي سيحمل غدًا مسؤولية الأسرة والمجتمع والوطن.
ولهذا فإن مكانة المعلم لا ينبغي أن تقاس بما يقال عنه في يومه فقط، بل بما يحظى به من تقدير واهتمام في بقية الأيام.
ولا يمكن أن نطالب المعلم بأداء دوره في بناء مستقبل مطمئن لأبنائنا، من دون أن نهتم في الوقت نفسه بظروفه المهنية والاجتماعية والمعيشية.
إن تحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي للمعلم ليس منحة ولا مجاملة، بل استحقاق يفرضه تقدير قيمة رسالته ودوره في بناء الأجيال. فالأجر المنصف، والحماية الاجتماعية، والرعاية الصحية، وبيئة العمل التي تحفظ الكرامة، وفرص التطور المهني، كلها عوامل تسهم في توفير الظروف التي تساعد المعلم على أداء رسالته على الوجه الأفضل.
وحين نعمل على تخفيف الضغوط الاقتصادية والمهنية عن المعلم، فإننا لا نقدم خدمة لفرد فحسب، بل نسهم في حماية جودة العملية التعليمية وتعزيز قدرتها على الوصول إلى الطالب بالصورة التي نطمح إليها.
وحين نرفع مكانة المعلم في المجتمع، فإننا نبعث برسالة واضحة مفادها أن العلم والتعليم في مقدمة الأولويات، وأن من يحمل رسالة التعليم يستحق التقدير والرعاية والاهتمام.
ولهذا، فإن تكريم المعلم الحقيقي لا يحتاج إلى كثير من الاحتفالات بقدر ما يحتاج إلى اهتمام مستمر، وسياسات عملية، وقرارات تسهم في تحسين ظروفه المهنية والمعيشية بما يتناسب مع حجم المسؤولية التي يتحملها.
أيها العالم، إذا أردت أن تعرف أين يبدأ مستقبل الأمم، فلا تنظر أولًا إلى ما تملك من أبراج ومصانع وثروات، بل انظر إلى المكان الذي يجلس فيه الطفل للمرة الأولى أمام معلمه.
هناك يبدأ الكثير.
هناك قد يولد عالم، أو مفكر، أو طبيب، أو مبدع، أو إنسان يترك أثرًا في حياة الآخرين.
وهناك، قبل أن تُرفع الأبنية، تُرفع العقول.
لذلك، في الخامس من تشرين الأول، لا نقول للمعلم شكرًا فقط، بل نقول: قدّروا رسالته، واهتموا بظروفه، وامنحوه المكانة التي تليق بدوره.
احفظوا كرامته، لأن كرامة التعليم تبدأ من احترام من يحمل رسالته.
وحسّنوا ظروف عمله وحياته، لأن مستقبل أجيال كاملة يمر من بين يديه.
فالأمم قد تبني مدنها بالحجر، وتطور اقتصادها بالمال، وتصنع قوتها بالتكنولوجيا، لكنها لا تستطيع بناء الإنسان إلا بالتعليم.
والتعليم يبدأ من معلم.
ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يقال في يوم المعلم ليس فقط “كل عام وأنت بخير”، بل “كل عام وأنت في المكان الذي يليق بك، في مقدمة اهتمام المجتمع، وفي صدارة الاستثمار في الإنسان، وفي قلب المستقبل”.
لأن الحقيقة التي ينبغي أن يتذكرها العالم دائمًا هي أن المعلم لا يقف أمام المستقبل ليشرحه للطلاب فقط، بل يقف أمامهم ليسهم في صناعته.















