بقلم : الدكتور منذر الحوارات
وكالة محليات الاخباري – عمان – رغم قسوة بيئته الإقليمية وعدائيتها، تمكن الأردن من استيعاب صدمات المنطقة، بل نجح في تحويل بعضها إلى فرص، أو على الأقل إلى مسارات أقل ضرراً.
وبرغم محدودية موارده وتعقيد خياراته، حافظ على استقراره السياسي والاجتماعي، وهو ما منحه ثقة إقليمية ودولية.
كما صنعت خبرته الطويلة مع الأزمات وعياً خاصاً بكيفية التعامل مع التحولات الكبرى.
لذلك لم يتعامل مع الحرب الحالية باعتبارها مجرد جولة عسكرية عابرة، بل بوصفها تحولاً إستراتيجياً قد يعيد تشكيل المنطقة لعقود.
ومن هنا جاءت زيارة الملك عبدالله الثاني إلى دول الخليج تأكيداً واضحاً على تموضع الأردن العربي.
مرة أخرى وجد الأردن نفسه عالقاً في قلب الصراع الحالي تحت ضغط الجغرافيا. فشظايا الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، سواء العابرة أو المستهدفة لأراضيه وأجوائه، لم يقتصر أثرها على الأمن والسيادة، بل تركت ما هو أعمق:
صراع السرديات داخل المجتمع الأردني. فبين سردية الدولة التي رأت في اختراق الأجواء الأردنية انتهاكا مباشرا للسيادة الوطنية، بغض النظر عن مبررات الأطراف المتحاربة، وسردية أخرى ذات طابع أيديولوجي أو عاطفي حاولت تبرير السلوك الإيراني باعتباره جزءاً من مواجهة إسرائيل وتحدي النفوذ الأميركي، وُجد نوع من التنافر داخل الرأي العام الأردني.
لكن القلق الأردني لا يتوقف عند الداخل، بل امتد إلى الخليج العربي، الذي يشكل عمقه الاقتصادي والإستراتيجي. فاستمرار الحرب، أو دخول الخليج في مرحلة طويلة من الإنفاق الدفاعي والحذر الاقتصادي، سينعكس بالضرورة على الأردن سياسياً واقتصادياً.
فاستنزاف الخليج أو إدخاله في حالة دفاع مزمن لن يضر دوله وحدها، بل سيمتد أثره إلى الأردن أيضاً، الذي يتصرف إستراتيجياً باعتباره جزءاً من منظومة أمنية واقتصادية واحدة مع الخليج العربي.
والأهم أن الحرب كشفت حدود القدرة الأميركية، التي ضمنت أمن الممرات البحرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على الاستمرار في أداء الدور ذاته بالكفاءة نفسها، ما يفتح الباب أمام عالم أقل يقيناً وأكثر قلقاً تجاه أمن التجارة الدولية.
وهنا يبرز الأردن كلاعب جيوإستراتيجي مرشح للتحول إلى عقدة جيواقتصادية مهمة في المنطقة. فموقعه يجعله نقطة التقاء طبيعية لطرق النقل البري بين الخليج وشرق المتوسط. وهنا تكمن الفرصة الكبرى؛ فبدلاً من أن تكون الجغرافيا الأردنية ممراً للصواريخ، يمكن أن تتحول إلى ممر للطاقة والبضائع والاستثمارات وسلاسل الإمداد.
غير أن هذا التحول لن يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى رؤية إستراتيجية عميقة من النخبة السياسية والاقتصادية والإعلامية.
فالمطلوب ليس فقط إنشاء طرق وسكك حديدية، بل بناء بيئة قانونية واستثمارية ولوجستية متكاملة تجعل الأردن جزءا محوريا من الاقتصاد الإقليمي الجديد، إلى جانب خطاب إعلامي أكثر نضجا وقدرة على مخاطبة المصالح الإقليمية والدولية بلغة واقعية وعقلانية.















