خضر تكتب الإصلاح ليس خيارًا بل آخر خطوط الدفاع عن الأردن

خضر تكتب الإصلاح ليس خيارًا بل آخر خطوط الدفاع عن الأردن

بقلم : امل خضر 

وكالة  محليات الاخباري – عمان – هناك لحظات في تاريخ الأوطان لا يكون السؤال فيها كم نملك؟ بل كيف نُدير ما نملك؟ ولا يكون التحدي في ندرة الموارد بل في وفرة الضمير فالدول لا تتراجع لأن أرضها فقيرة بل لأن العدالة تضعف والكفاءة تُهمَّش والحق يتأخر ويبدأ المواطن بالشعور أن القانون لا يصل إلى الجميع بالقدر نفسه.

 الأردن لم يكن يومًا دولةً صنعتها الثروات الطبيعيةولم يتكئ على النفط أو الغاز أو البحار المفتوحة. هذا الوطن بُني بالإرادة وصانته حكمة القيادة الهاشمية وحماه جيش عربي مصطفوي وأجهزة أمنية كانت وما زالت عنوانًا للاحتراف وحمله شعبٌ عرف معنى الصبر والانتماء. ولهذا فإن أغلى ما يملكه الأردن ليس ما في باطن الأرض بل ما يحمله من سمعةٍ واحترامٍ وثقةٍ اكتسبها عبر عقود. لكن سمعة الدول لا يحميها التاريخ وحده وإنما تحميها العدالة. 

ولا تصونها الخطب وإنما تصونها الشفافية وسيادة القانون. ولا يرفعها الإعلام إذا خذلتها المؤسسات. فحين يشعر المواطن أن الكفاءة تنتظر بينما تتقدم المحسوبية، وأن صاحب الحق يحتاج إلى من يشفع له بينما يجد صاحب النفوذ الطريق ممهدًا تبدأ الثقة بالتآكل، والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي دولة. 

الإصلاح ليس بيانًا حكوميًا، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات ولا خطةً تُحفظ في الأدراج. الإصلاح هو أن يشعر الأردني، أينما كان، أن كرامته محفوظة، وأن حقه لا يسقط وأن القانون لا يفرّق بين اسم وآخر وأن الوظيفة العامة مسؤولية لخدمة الناس لا امتيازًا يُمنح.

 لقد وضع جلالة الملك منذ سنوات رؤى واضحة لتحديث الدولة والإدارة والاقتصاد، ودعا مرارًا إلى ترسيخ سيادة القانون وتمكين الشباب وإطلاق طاقات الكفاءات الوطنية وبناء إدارة عامة تقوم على الجدارة والإنجاز. وكانت الرسالة واضحةمستقبل الأردن لا يُصنع بالوعود بل بالعمل، ولا بالمجاملة بل بالمحاسبة.

 ولو حظيت هذه الرؤى بالتنفيذ الكامل والفاعل ولو تُرجمت إلى واقع بالسرعة والطموح اللذين تستحقهما لكان المواطن قد لمس أثرًا أكبر في حياته اليومية، ولتعززت قدرة الاقتصاد على النمو ولوجدت كفاءات أردنية أكثر طريقها إلى مواقع التأثير والإنتاج.

 إن الأردن لا يعاني من نقص في العقول بل يزخر بطاقات وكفاءات يشهد لها الداخل والخارج. في الجامعات، وفي ميادين العمل، وفي الشباب الذين ينتظرون فرصة عادلة ليخدموا وطنهم.

 لكن هذه الطاقات تحتاج إلى أبواب تُفتح، لا إلى ممرات تضيق، وإلى معايير ثابتة لا تتغير بتغير الأشخاص. إن المتاجرة بالكفاءات أو تهميشها أو إقصاءهالا يظلم أفرادًا فحسب، بل يحرم الوطن من أهم موارده.

 فالعقل الأردني أثبت في كل مكان وصل إليه أنه قادر على المنافسة والابتكار، ومن المؤلم أن يجد فرصته خارج وطنه أكثر مما يجدها داخله. ولذلك، فإن معركة الإصلاح ليست معركة ضد أشخاص بل معركة من أجل الدولة نفسها.

 ومكافحة الفساد ليست انتقامًا، بل حماية للمؤسسات، وصونٌ لهيبة القانون، ورسالة بأن المال العام والوظيفة العامة أمانة لا مجال للتفريط بها. إن الدولة القوية لا تخشى كشف الفساد بل تشجعه عبر القنوات القانونية لأن الحقيقة لا تُضعف الأوطان وإنما تُنقيها. أما الصمت عن الخطأ فهو الذي يمنحه فرصة ليكبر حتى يتحول إلى عبء على الجميع.

 ولذلك فإن كل مواطن يشعر أن حقه سُلب أو أن بابًا أُغلق في وجهه بغير حق يجب أن يجد نافذة قانونية عادلة تُنصفه. 

فليس هناك ما يعيد الثقة أكثر من أن يرى الناس أن العدالة لا تعرف الألقاب، وأن الدولة تسمع للمظلوم قبل أن يضيع صوته بين الجدران.إن الشباب الأردني لا يطلب المستحيل. فالوطن الذي يُغلق أبوابه أمام كفاءاته يفتحها قسرًا لهجرة العقول وخسارة الإنسان هي الخسارة التي لا تعوضها أي ثروة.

 لقد آن الأوان لأن تتحول المؤسسات إلى بيوت مفتوحة للحوار، تستمع إلى أصحاب الخبرة والكفاءة والشباب لا أن تبقى بعض الأبواب موصدة حتى يخيل للناس أنها أصبحت أعلى من سور الصين العظيم. فالمسؤول الذي يسمع مواطنيه، يسبق الأزمات قبل وقوعها، أما الذي يحيط نفسه بجدران العزلة، فلن يسمع إلا صدى صوته. الحوار ليس ضعفًا، بل أحد أعظم أدوات الدولة القوية.

 والاعتراف بالخلل ليس هزيمة بل بداية الإصلاح. أما تجاهل المشكلات فلن يصنع إلا فجوةً أكبر بين المواطن ومؤسساته، وهي فجوة لا يملك الأردن ترف اتساعها. لقد أعادت استقالة معالي وزير العمل بصرف النظر عن أسبابها، شعورًا لدى كثير من الأردنيين بأن المساءلة والمراجعة لا تزالان ممكنتين، وأن المسؤولية العامة ليست منصبًا دائمًا، بل تكليفٌ تحكمه المصلحة العامة. 

والمواطن اليوم لا ينتظر تغيير الأسماء بقدر ما ينتظر ترسيخ نهجٍ يجعل المحاسبة قاعدةً لا استثناء، ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. إن الأردن اليوم يقف أمام فرصة حقيقية، ليس لأنه يملك النفط، بل لأنه يملك ما هو أثمن من النفط؛ قيادةً تمتلك رؤية، وشعبًا يمتلك الإرادة، وسمعةً دوليةً أصبحت رأس مال سياسيًا واقتصاديًا لا يجوز التفريط به.

 إن الدولة التي ينتصر فيها القانون على النفوذ، والكفاءة على الواسطة، والحق على المصالح، هي الدولة التي لا يخيفها المستقبل مهما اشتدت التحديات. أما حين يشعر المواطن أن العدالة هي المرجع الوحيد، فإنه سيدافع عن وطنه بكل ما يملك، لأن الإنسان لا يدافع عن الأرض فقط، بل يدافع عن الكرامة التي يجدها فوقها.

 سيكتب التاريخ أن الأوطان العظيمة لم تكن تلك التي كثرت ثرواتها، بل تلك التي امتلكت الشجاعة لتراجع نفسها قبل أن يحاكمها الزمن. وسيكتب أيضًا أن الأردن بقي شامخًا لأنه لم يقبل أن يكون الفساد قدرًا، ولا اليأس مصيرًا، ولا الكفاءة ضحية. 

إننا لا نطلب وطنًا كاملًا، فالكمال لله وحده، ولكننا نطلب وطنًا لا يساوم على العدالة، ولا يتردد في محاسبة المقصر، ولا يسمح بأن يُهزم صاحب الكفاءة أمام صاحب النفوذ، ولا أن يُترك المظلوم وحيدًا خلف بابٍ مغلق. فالأردن ليس وطنًا

‏ورثناه من آبائنا فحسب، بل أمانة استعرناها من أبنائنا. فإن أحسنّا صونها، أورثناهم دولةً أقوى، وعدالةً أرسخ، ومستقبلًا أوسع. وإن قصّرنا، فلن يرحمنا التاريخ مهما كثرت المبررات. 

فالإصلاح ليس مطلبًا ‏ سياسيًا عابرًا بل هو آخر خطوط الدفاع عن الأردن، وآخر الجسور التي تعبر عليها الثقة بين الدولة والمواطن. وإذا انتصر الحق انتصر الأردن وإذا انتصرت الكفاءة انتصر الأردن. 

وإذا انتصرت العدالة، فلن يكون المستقبل إلا أردنيًا يليق بهذا الوطن الذي كان وسيبقى أغلى من كل الثروات، وأكبر من كل الأشخاص، وأقدس من كل المصالح