المجالي يكتب … خضر آل خطاب… رجلٌ انتصر على المرض بالإيمان . ……………

المجالي  يكتب … خضر آل خطاب… رجلٌ انتصر على المرض بالإيمان .  ……………

بقلم : العميد المتقاعد هاشم المجالي 

وكالة محليات الاخباري – عمان – ما أعظم الإنسان حين يبتليه الله، فيزداد إيماناً ولا يزداد جزعاً، ويزداد شكراً ولا يزداد شكوى، ويزداد قرباً من ربه كلما اشتدت عليه المحن. فذلك هو المؤمن الحق، الذي يرى في البلاء نعمةً خفية، وفي الألم طريقاً إلى رضا الله.

ومن هؤلاء الرجال الذين يرفعون الرأس فخراً، ويبعثون في النفوس الطمأنينة والأمل، أخي العميد المتقاعد خضر آل خطاب، ابن معان الأبية، تلك المدينة التي عُرفت برجالها الأوفياء، وشهامتها التي لا تنضب.

خضر آل خطاب كان الأول على دفعته في جامعة مؤتة، ثم حمل أمانة الخدمة في جهاز الأمن العام، فعمل في إدارة مكافحة المخدرات، وتنقل بين مواقع المسؤولية حتى بلغ رتبة عميد، فكان مثال الضابط النزيه، وصاحب الخلق الرفيع، والوجه البشوش، واليد النظيفة.

ثم جاءت سنة الله في عباده، فابتلاه الله بمرض السرطان منذ اثني عشر عاماً، ولم يقف البلاء عند هذا الحد، بل تبعته أمراض أخرى بسبب هذا الإبتلاء فأصبح يخضع لغسيل الكلى، وأصيب بكسر في يده. ومع ذلك كله، ما رأيناه إلا حامداً، ولا سمعناه إلا ذاكراً، ولا عرفناه إلا مبتسماً، كأن قلبه قد امتلأ يقيناً بأن رحمة الله أوسع من كل ألم.

عرفت أبا طلال عن قرب، فما رأيت رجلاً أبرَّ بوالدته منه، فقد كانت أمه الأرملة أغلى الناس إلى قلبه، يحيطها بحبه وبره ودعائه. ثم كانت زوجته أم طلال، الزوجة الصابرة المحتسبة، التي وقفت إلى جانبه في السراء والضراء، تحمل معه وجع المرض، وتغرس في قلبه الأمل، حتى أصبحت مثالاً ناصعاً للوفاء والإيمان.

ولم يجعل أبو طلال مرضه سجناً يحبس روحه، بل حوّله إلى رسالة حياة. أخذ يطوف بين الناس بالكلمة الطيبة، وينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي رسائل التوعية من آفة المخدرات، ويذكّر الأزواج بحقوق زوجاتهم، والآباء بواجبهم تجاه أبنائهم، ويغرس في النفوس حب الوطن، والرحمة بالناس، والتمسك بالقيم النبيلة.

ثم رأيناه في مركز الحسين للسرطان، يجلس بين المرضى لا ليشكو، بل ليزرع في قلوبهم الأمل، ويوقظ في نفوسهم اليقين، ويحدثهم عن الصبر والاحتساب، لأن كلام الخارج من قلبٍ ذاق الألم، يصل إلى القلوب بلا استئذان.

ولم ينسَ إخوانه المرضى، فكان ينظم، مع أهل الخير والمحسنين، رحلات ترفيهية لمرضى السرطان ومرضى غسيل الكلى إلى ربوع الأردن الجميلة، ليقول لهم إن الحياة ما زالت تستحق أن تُعاش، وإن نعم الله لا تُحصى مهما اشتد البلاء.

إن خضر آل خطاب ليس رجلاً عادياً، بل هو مدرسة في الصبر، ومنارة في الإيمان، وقدوة لكل من ضاقت به الدنيا. إنه نموذج يستحق أن يُكرَّم في كل مناسبة وطنية، لأن الأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى أيضاً بأمثال هؤلاء الرجال الذين يحملون القيم قبل الأوسمة.

وكل الشكر لإمام مسجد عمر بن الخطاب في طبربور، الذي ذكر أبا طلال على منبر الجمعة، وقدمه مثالاً للمؤمن الصابر المحتسب، فمثل هذه النماذج هي التي ينبغي أن تتصدر مجالسنا ومنابرنا، لأنها توقظ في النفوس معاني الإيمان والرضا والثبات.

اللهم يا واسع الرحمة، يا من بيدك الشفاء، اشفِ أخي أبا طلال شفاءً لا يغادر سقماً، وألبسه لباس الصحة والعافية، وأطل في عمره على طاعتك، واجعل ما أصابه رفعةً في درجاته، وتكفيراً لسيئاته، ونوراً يلقاك به يوم القيامة. اللهم اجعل الصبر رفيقه، والسكينة في قلبه، والرضا في نفسه، ولا تحرمه أجر الصابرين، ولا تحرمنا رؤية ابتسامته التي تبعث الأمل في القلوب.

وأخيراً… أقف حائراً أمام هذه القامة الإنسانية. فالكلمات، مهما ازدانت، تبقى أصغر من أن تحيط برجل جعل من مرضه رسالة، ومن ألمه أملاً، ومن ابتلائه طريقاً إلى الله. فجزاك الله يا أبا طلال خير الجزاء، وجعل سيرتك الطيبة صدقةً جارية، وأبقى ذكرك بين الناس عطراً يفوح بالإيمان والوفاء والرجولة.