وكالة محليات الاخباري – عمان- قال الدكتور محمد البدور، باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية، إنَّ جلالة الملك عبد الله الثاني اودع الاردن امانة في وجدان الاردنيين كما هم امانة جلالته.
واضاف البدور في مدونته للفكر الملكي السامي ان ليست كل الكلمات التي تُقال في الخطب الرسمية تمرّ عابرة، فبعض العبارات تختزل في كلمات قليلة معاني وطنية عميقة، وتترك في الوجدان أثراً يتجاوز حدود اللحظة والمناسبة. وهذا ما تجلّى في قول جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش السامي، خلال افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين: «وأعتمد، بعد الله، على برّكم بهذه الأرض».
إنها عبارة ملكية بالغة البلاغة، عظيمة الدلالة، اختار فيها جلالة الملك كلمة «برّكم» لتكون عنواناً للعلاقة التي ينبغي أن تجمع الأردنيين بوطنهم؛ فالبرّ هنا ليس مجرد محبة عاطفية أو انتماء بالهوية، بل هو إخلاص ووفاء وعطاء ومسؤولية، وصون للأرض، وحماية لمقدراتها، وحرص على أمنها واستقرارها وكرامة إنسانها.
وما أعمق أن يُعبّر جلالة الملك عن ثقته بشعبه بهذه المفردة تحديداً؛ فالبرّ في معناه الإنساني والأخلاقي يرتبط بالوفاء والإحسان وصلة الانتماء، وعندما يُسقط على الوطن يصبح سلوكاً وطنياً متكاملاً، يتجسد في العمل والإنتاج، واحترام القانون، والمحافظة على الوحدة الوطنية، والوقوف في وجه كل ما يهدد أمن الأردن أو يحاول النيل من نسيجه الاجتماعي.
لقد وضع جلالة الملك بهذه العبارة مسؤولية الوطن في وجدان كل أردني، وكأنه يقول إن الأردن لا يُصان بالشعارات وحدها، وإنما بصدق المواقف ونبل الأفعال، وإن حب الأرض لا يُقاس بما نقوله عنها، بل بما نقدمه لها، وبمقدار وفائنا لها في أوقات الرخاء والتحديات.
وتكتسب هذه الكلمات عمقاً أكبر في ظل ما يواجهه الأردن من تحديات، وما تتطلبه المرحلة من تماسك ووعي وحكمة، فالأردن الذي يستند إلى وعي شعبه ووحدته، وإلى عزيمة جيشه وأجهزته الأمنية، هو وطن يمتلك من أسباب القوة ما يجعله عصياً على محاولات العبث بأمنه واستقراره.
إن بلاغة التعبير الملكي تكمن أيضاً في أنه لم يكن خطاباً من القيادة إلى الشعب بلغة التوجيه فحسب، بل رسالة ثقة واعتزاز بالشعب الأردني، واستدعاء لقيمه الأصيلة، وتأكيد على أن المواطن شريك في حماية الوطن وصناعة مستقبله.
ولعل أبلغ ما يمكن أن نرد به على هذه الثقة الملكية أن نجعل من البرّ بالأردن نهجاً في حياتنا، وأن نترجم حبنا له إلى عمل ومسؤولية، وأن نختلف في آرائنا دون أن نختلف على وطننا، وأن تبقى مصلحة الأردن فوق كل اعتبار.
فالأوطان لا تكبر بمساحاتها وحدودها فحسب، بل تكبر بوفاء أبنائها، وبما يختزنونه من قيم وعطاء وانتماء.
«أعتمد، بعد الله، على برّكم بهذه الأرض»… عبارة ملكية تختصر حكاية وطن، وتضع أمام كل أردني أمانة الانتماء وواجب الوفاء.